تراجع مبيع البنزين: الاقتصاد أمام أزمة جديدة

تتكشّف سريعاً انعكاسات الارتفاع الكبير في أسعار المحروقات. وإلى جانب التأثير على أسعار السلع والخدمات، سجّلت سوق المحروقات تراجعاً لاستهلاك البنزين، وسط تأكيد توفّر المادّة في السوق بكميات تفيض عن حاجتها. وبتراجع مبيعات البنزين، تتّجه الأنظار إلى مبيعات المازوت التي تقدّم مؤشّرات أكثر ارتباطاً بالنشاط الاقتصادي. وبالتالي، من غير المستبعد أن يصطدم الاقتصاد بمزيد من العوائق التي تفرمل حركته، نتيجة تراجع المبيع، على وقع الارتفاع المتزايد لأسعار النفط عالمياً، وتأثيرها المباشر على أسعار المحروقات محلياً.

 

 

انخفاض الاستهلاك

مع عدم قدرة الرواتب والأجور على مواكبة ارتفاع الأسعار، لا سيّما أسعار المحروقات، تراجع طلب اللبنانيين على البنزين، وفق ما أكّد ممثل موزعي المحروقات فادي أبو شقرا الذي أشار إلى أنّ مبيعات البنزين تراجعت بنحو 30 إلى 35 في المئة. وعلى مستوى مبيعات المازوت، أوضح أبو شقرا في حديث إلى "المدن" أنّ تلك المبيعات "تراجعت أيضاً، لكن لم نحدّد بعد نسبة التراجع".

والتراجع الراهن لحجم الاستهلاك ليس الأوّل من نوعه. ففي أيار الماضي، وبفعل ارتفاع أسعار النفط عالمياً، إثر الحرب الأميركية الإيرانية، ارتفع سعر صفيحة البنزين في لبنان بنحو 40 في المئة، في حين ارتفع سعر صفيحة المازوت بنحو 70 في المئة، وفق أبو شقرا الذي أكّد أنّ هذا التراجع أدّى إلى خفض الطلب على البنزين بنحو 35 في المئة وعلى المازوت بنحو 50 في المئة، مقارنة بحجم الطلب الذي كان سائداً قبل هذه الفترة.

ويأتي هذا التراجع في وقت تشهد السوق زيادة في نسبة المحروقات المتوفّرة. وأوضح نقيب أصحاب محطات المحروقات جورج البراكس، في نهاية تموز الماضي، أنّ كميات البنزين الموجودة في السوق تفيض عن حجم الطلب على الاستهلاك بنحو 20 إلى 25 في المئة. وكذلك تفيض كميات المازوت المتوفّرة عن حاجة السوق بنحو 30 في المئة، إذ أشار البراكس إلى أنّ معدّل استهلاك المازوت يبلغ نحو 10 ملايين ليتر يومياً، فيما تضخ الشركات إلى السوق نحو 13 مليون ليتر.

 

 

المؤشرات الاقتصادية

مع وجود فائض في الكمية، يعني تراجع الاستهلاك تقليصاً للنشاطات، ليس فقط على مستوى حركة الأفراد، وإنما أيضاً على مستوى إنتاج المؤسسات، وإن لم يظهر ذلك بعد بشكل ملموس. فاستمرار ارتفاع أسعار المحروقات، وخصوصاً المازوت، سيؤدّي إلى انفجار على مستوى المؤسسات، لأن عمليات الإنتاج في أكثر من قطاع اقتصادي تعتمد على المازوت. ويؤشِّر إلى ذلك الارتفاع الأخير لسعر ربطة الخبز بمعدّل 5000 ليرة، وهي سلعة حيوية، وارتفاعها يدلّ إلى سرعة تأثّر القطاعات الاقتصادية بأسعار المحروقات.

أما تراجع نسبة استهلاك البنزين، فإنّه لم يأتِ بفعل تطوّر حصل على مستوى النقل العام الذي شجّع المزيد من المستهلكين على تقليص اعتمادهم على آلياتهم الخاصة، بل جاء إثر عدم كفاية الرواتب وقدرتها على تلبية الحاجات الأساسية للمواطن. فالبنزين سلعة أساسية يومية بالنسبة إلى اللبنانيين. وبالتالي، إنّ لجوء شريحة واسعة منهم إلى تقليص إنفاقهم على البنزين، يعني أنّ معدّل قيامهم بالأنشطة الاقتصادية الأساسي قد تراجع.

ومن هنا، من المرجّح أن تعود أصوات الموظفين في القطاعين العام والخاص إلى الارتفاع مطالبة بإعادة النظر في قيمة بدلات النقل ودوامات العمل، وهذا ما يعيد التذكير بما حصل في العام 2021 حين ظهرت أزمة طوابير السيارات أمام محطات المحروقات وعدم القدرة على تأمين الكميات الكافية من البنزين. وشهد ذلك العام إعلان موظفي الإدارات العامة الإضراب بسبب عدم قدرتهم على الوصول إلى العمل وفق الدوام الكامل. وشهد الكثير من الإدارات حضور الموظفين يوماً واحداً أو يومين لإنجاز المعاملات. وفي نهاية العام نفسه، رفعت الحكومة بدلات النقل بالتوازي مع رفعه في القطاع الخاص.

وفي الوقت عينه، فإنّ مؤسسات القطاع الخاص ستبدأ أيضاً برفع الصوت واتخاذ قرارات سلبية بحق الموظفين والنشاط الاقتصادي. فتراجع طلب المؤسسات على المازوت يرتبط بتراجع قدرتها على العمل، وسيُتَرجَم ذلك تلقائياً عبر مشاهد مثل إقفال بعض المؤسسات، أو تقليص حجم بعضها الآخر، والذي بدوره يعني التخلّي عن عدد من الموظّفين. وفي المحصّلة، يظهر مجموع الأزمات في النشاط على شكل انكماش اقتصادي.

 

إنّ أرقام تراجع مبيعات البنزين والمازوت لا ينبغي قراءتها بمعزل عن الاقتصاد. فالتراجع المرتبط بتقليص الاستهلاك، لا يقف عند حدود تقليص عدد السيارات التي تتحرّك في الشوارع، بل يتعدّاه ليطال إمكانية استمرار حركة المصانع والمؤسسات في العمل بالوتيرة نفسها. وفي هذه الحالة، تصبح أزمة المحروقات جزءاً من أزمة أوسع، هي قدرة الاقتصاد اللبناني على تحمل الكلفة المرتفعة.