تراجيديا النزوح المتواصل: أين يقدّم طلاب الجنوب امتحاناتهم؟

يواجه طلاب الشهادة الثانوية الرسمية في جنوب لبنان قلقًا مضاعفًا مع اقتراب موعد الامتحانات الرسمية. فلم يعد القلق الذي يرافق هذه المرحلة مرتبطًا بصعوبة المواد أو رهبة الأسئلة فقط، بل بات متصلًا أيضًا بأسئلة أكثر إلحاحًا تتعلق بالأمن والنزوح وإمكانية الوصول إلى مراكز الامتحان. فمع تصاعد العمليات العسكرية الإسرائيلية واتساع رقعة الغارات لتشمل مناطق كانت تُعتبر شبه آمنة، عاد شبح التهجير ليخيّم على حياة مئات الطلاب الذين كانوا يحاولون استعادة شيء من الاستقرار والتمسك بما تبقى من عامهم الدراسي بعد عودتهم إلى قراهم وبلداتهم.

مصير الطلاب في الجنوب

تزداد المخاوف في ظل الضبابية التي تحيط بالمشهد الميداني، خصوصًا أن عددًا من الطلاب كانوا قد سجلوا أسماءهم لتقديم امتحاناتهم في مراكز تقع في مدن جنوبية، ولا سيما صور، استنادًا إلى معطيات سابقة اعتبرت هذه المناطق مستقرة نسبيًا. إلا أن التطورات الأمنية المتسارعة والتهجير القسري من قبل الإسرائيلي لهذه البلدات، قلبت تلك الحسابات، ووضعت الطلاب وعائلاتهم أمام تساؤلات يومية.

وفي حين تؤكد وزارة التربية أن الامتحانات الرسمية لا تزال قائمة ضمن ثلاث دورات متتالية أُقرت هذا العام مراعاةً للظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد، تتصاعد في المقابل انتقادات تعتبر أن هذه الآلية قد لا تضمن تكافؤ الفرص، وسط حديث عن دورة للطلاب النازحين وأخرى لغير النازحين. وتشدد في الوقت نفسه على أن الخطط تبقى خاضعة للتقويم المستمر وفق المستجدات الأمنية، وهذا ما يفتح الباب أمام احتمالات متعددة ينتظر الطلاب اتضاحها فيما يواصلون الاستعدادات لامتحاناتهم على وقع الغارات والنزوح وعدم اليقين.

امتحانات معلّقة على خرائط النزوح

محمد حلاوي، من بلدة مروحين، واحد من هؤلاء الطلاب الذين وجدوا أنفسهم عالقين بين الاستعداد للامتحانات وتقلبات المشهد الأمني. غادر بلدته مع بداية الحرب بسبب كثافة القصف، ثم عاد بعد ما سمي بـِ "وقف إطلاق النار" على أمل أن تكون المرحلة المقبلة أكثر استقرارًا. استقر في صور وبدأ التجهيز لامتحاناته هناك، قبل أن يضطر إلى النزوح مجددًا قبل أيام.

يقول لـِ "المدن": "سجلنا أسماءنا لتقديم الامتحانات في صور لأن الوضع كان يُعتبر مستقرًا نسبيًا، ولأننا كنا سنقدم في مدرستنا نفسها التي اعتدنا عليها. لكن حتى الآن لا نملك أي معلومات واضحة، ولم تبلغنا الإدارة بأي مستجدات".

ويقيم محمد حاليًا في السعديات، ويعتبر أن العودة إلى صور لتقديم الامتحانات تبدو شديدة التعقيد في ظل الظروف الأمنية الراهنة. ويضيف: "ننتظر فقط أن نعرف ما هي الخيارات المطروحة، وكيف سيتم التعامل مع أوضاع الطلاب الذين نزحوا مجددًا".

الواقع نفسه تعيشه ريحانة شور من بلدة طورا. فقد غادرت صور قبل أيام قليلة، بعدما كانت قد سجلت للتقدم إلى الامتحانات الرسمية فيها، بناءً على قرار سابق أبلغتهم به المدرسة يقضي باعتماد المدينة مركزًا للامتحانات استنادًا إلى المعطيات الأمنية المتوافرة حينها.

أما اليوم، فلا تملك أي إجابات واضحة. تقول: "لا نعرف ماذا سيحصل. وضعنا خططنا على أساس معين، لكن الوقائع تتغيّر يومًا بعد يوم".

بدورها، أمضت ياسمينا سالم، من منطقة جل البحر، معظم فترة الحرب في صور، محاولةً التمسك بدراستها رغم الظروف الصعبة. وكان من المفترض أن تتقدم للامتحانات الرسمية في المدينة، باعتبارها أكثر أمانًا مقارنة بالمناطق الحدودية. لكن الحرب لم تترك مجالًا للاستقرار. تروي لـِ "المدن": "هذا الأسبوع نزحنا أكثر من مرة. انتقلنا أولًا إلى الجية، ثم إلى البص، وبعدها عدنا إلى صور، قبل أن نضطر إلى النزوح مجددًا نحو الخرايب. ومؤخرًا نمت ليلتين على الطريق. في تلك الظروف لم أكن أفكر أصلًا في حمل كتبي أو الدراسة. كيف يمكن أن أدرس وأنا أتنقل من مكان إلى آخر، من دون استقرار، وأحيانًا من دون إنترنت؟".

ومع اتساع رقعة الغارات وعودة التهديدات إلى مناطق جديدة، تبددت الخطط التي رسمها الطلاب وعائلاتهم لأشهر طويلة، وباتت التجهيزات للامتحانات مرتبطة، أكثر من أي وقت مضى، بمسار التطورات الأمنية واحتمالات النزوح المتجددة.

"سلامة الطلاب أولوية"

بالرغم من قلق الطلاب المتزايد، يؤكد مصدر في وزارة التربية أن الوقت لا يزال يسمح بإعادة تقويم الخطط. ويشير المصدر إلى أن من الطبيعي أن تطرأ تعديلات على ترتيبات الامتحانات إذا استدعت الظروف ذلك، لافتًا إلى أن شهرًا واحدًا كفيل بتغيير الكثير من المعطيات الميدانية.

ويشدد المصدر على أن سلامة الطلاب تبقى أولوية مطلقة، وأن المديرية العامة للامتحانات الرسمية تتابع التطورات الأمنية بشكل يومي وتعمل على تحديث خططها تبعًا للمستجدات.

في ظل الانتقادات التي تطاول آلية إجراء الامتحانات الرسمية في هذه الظروف الأمنية، القائمة على اللاعدالة، تبدو هذه الإشكالية أكثر تعقيدًا حين تُسقَط على واقع طلاب الجنوب اليوم. إذ تتفاقم مظاهر عدم الإنصاف مع موجات النزوح المتكررة والتنقل القسري على الطرق، بعد أن كان من المفترض أن تكون مراكز امتحاناتهم في صور.