المصدر: المدن
الكاتب: زينب زعيتر
الخميس 5 تشرين الثاني 2026 09:25:10
للمرة الأولى، تختلط الحسابات الانتخابية الأميركية بالاحتمالات العسكرية في المنطقة على هذا النحو، لتفتح نتائج الانتخابات النصفية فصلاً جديداً من التساؤلات حول مسار المواجهة. قبل الانتخابات، ساد انطباع بأن اتجاه التصعيد، واحتمالات تجدد الحرب على إيران، وانعكاساتها على لبنان، ولا سيما في ما يتصل بحزب الله واحتمال انزلاق المنطقة إلى مواجهة جديدة، ستبقى مرتبطة إلى حد بعيد بنتائج الاستحقاق الأميركي. لكن نتائج الانتخابات تطرح اليوم سيناريوهات متباينة، تتراوح بين احتمال أن تدفع الهزيمة الانتخابية للجمهوريين، الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى رد فعل تصعيدي، مستفيداً من الشهرين الفاصلين عن تسلّم الديمقراطيين زمام السيطرة على الكونغرس في كانون الثاني المقبل، بما يتيح له توسيع العمليات العسكرية وفرض وقائع ميدانية قبل أن تتعزز القيود السياسية المفروضة عليه، ويفقد قدرته على تمرير أجندته السياسية والتشريعية، وبين احتمال أن تدفعه هذه النتائج إلى إعادة حساباته والبحث عن تسوية سياسية مع طهران، تجنباً لتحول المواجهة العسكرية إلى عبء سياسي أكبر على إدارته.
وبين هذين الاحتمالين، تبرز تساؤلات أساسية حول انعكاس نتائج الانتخابات على الحسابات الأميركية والإسرائيلية والإيرانية، وما إذا كانت ستغيّر قواعد الاشتباك في المنطقة، وصولاً إلى لبنان. فهل يمكن أن تتحول الهزيمة الانتخابية لترامب إلى عامل يدفعه نحو التصعيد بدلاً من التهدئة؟
معادلة تمنع الحرب؟
يقرأ السفير اللبناني السابق في واشنطن رياض طبارة في حديث مع "المدن" في نتائج الانتخابات الأميركية واحتمالات التصعيد وتأثيرها على لبنان، معتبراً أنّ المرحلة المقبلة قد تشهد تغييراً في السياسة الأميركية، في ظل احتمال انشغال الكونغرس بالتداعيات السياسية والقضائية المرتبطة بالرئيس ترامب، ولا سيما مع انتقال مجلسي الشيوخ والنواب إلى سيطرة الديمقراطيين. وبالتالي، هذا الواقع قد يحدّ، بحسب طبارة، من مساحة الاهتمام بالسياسة الخارجية خلال الفترة المقبلة، فيما يبقى الملف الأمني والحرب في صدارة اهتمامات ترامب.
وفي هذا السياق، يشير طبارة إلى أن احتمال فتح مسار للمحاسبة السياسية والقضائية بحق ترامب بات أكثر حضوراً، أي خضوعه للمحاكمة، لكنه يستبعد أن يصل الأمر بالضرورة إلى سجنه، على الرغم من تخوف ترامب من ذلك، حيث إن طبيعة النظام السياسي الأميركي تتيح تسويات ومخارج متعددة، وبالتالي فإنّ الوصول إلى مواجهة من هذا النوع ليس حتمياً.
أما على مستوى احتمالات الحرب، فيلفت طبارة إلى أن السيناريوهات تبقى مفتوحة حتى تتضح نتائج الانتخابات وتداعياتها، لكنه يرى أن هناك معادلة أساسية تحدّ من فرص اندلاع حرب واسعة، أي الإبقاء على الستاتيكو الحالي: فإسرائيل، التي تدفع باتجاه التصعيد، لا تملك القدرة على خوض مواجهة منفردة، في حين أن الطرفين القادرين على إشعال حرب واسعة، أي الولايات المتحدة وإيران، لا رغبة لديهما في الذهاب إلى هذا الخيار.
لا مصلحة لواشنطن بالحرب
وواشنطن لا تجد مصلحة في حرب جديدة، في ظل غياب التأييد لها لدى الحزبين الجمهوري والديمقراطي، فضلاً عن أن المزاج الشعبي الأميركي لا يميل إلى الانخراط في مواجهة عسكرية جديدة. وعليه، يتوقع طبارة استمرار حالة شدّ الحبال بين الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل، من دون الانتقال إلى حرب مفتوحة، معتبراً أن الخطر يبقى قائماً بفعل الطبيعة المتقلبة لقرارات ترامب، لكن ذلك لا يعني أن قرار الحرب أصبح حتمياً. ويؤكد طبارة أنّ المؤشرات المتوافرة لا تدل على وجود رغبة أميركية أو إيرانية في الذهاب إلى مواجهة شاملة، وأن اندلاع حرب مفتوحة يبقى مستبعداً ما لم ينجح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في دفع ترامب إلى خيار المواجهة، وهو احتمال لا يرى أنه مرجّح.
أما لبنانياً، فيحذّر من أن أي حرب إقليمية تترافق مع تدخل حزب الله، ستفتح جبهة واسعة، لكنه لا يعتقد أن هذا السيناريو هو الاتجاه الأكثر احتمالاً في المرحلة الراهنة، مرجّحاً استمرار الوضع القائم، وإن ضمن مناخ من التوتر والضغط المتبادل.
مساران للحرب
تتقاطع قراءة طبارة إلى حد كبير مع وجهة النظر التحليلية للسفير اللبناني السابق في واشنطن أنطوان شديد، الذي يتحدث عن مسارين مختلفين للتصعيد، بين إيران ولبنان.
يشير شديد في حديث مع "المدن" إلى أنّه "على مستوى المواجهة مع إيران، سيعيد ترامب حساباته كثيراً على هذا المستوى، ولا سيما بعد خسارة الجمهوريين، وخصوصاً أنّ الولايات المتحدة لا تريد الانخراط في حرب جديدة. لكن يبقى هناك العامل الإسرائيلي، "إذ إن إسرائيل، تسعى إلى إزالة ما تصفه بالخطر الوجودي الإيراني. ومن هنا، لا يمكن استبعاد أن تبادر إسرائيل إلى شنّ هجوم على إيران، في محاولة لدفع الولايات المتحدة إلى مساندتها أو الانخراط معها في المواجهة، وإن كان هذا الاحتمال يبقى محدوداً في ظل عدم رغبة واشنطن بالحرب".
أما في لبنان، فالحسابات مختلفة. فبحسب شديد، "طالما أن سلاح حزب الله لا يزال موجوداً، فإن الولايات المتحدة لن تتراجع عن موقفها، ولن تتوقف الضغوط على هذا الملف. وبالتالي، قد يستمر الوضع في جنوب لبنان على ما هو عليه، مع استمرار الحرب بالوتيرة القائمة، وربما نشهد تصعيداً إضافياً، خصوصاً إذا أقدم حزب الله على أي تحرك باتجاه المشاركة في الحرب الإقليمية". وأي تكن الاحتمالات، يقول شديد "فيما يتعلق بترامب، من الصعب التنبؤ بخطواته أو تحديد كيفية تعاطيه مع المرحلة المقبلة"، لافتاً إلى أن النظام الأميركي يمنحه صلاحيات لمواصلة سياساته حتى بعد مرور ستين يوماً. لكن ما ينبغي التوقف عنده، بحسب قراءته، هو أن الخسارة الانتخابية لترامب تعكس أيضاً اعتراضاً داخلياً مرتبطاً بالوضع الاقتصادي، ما يعني أن الأميركيين لا يريدون حرباً جديدة، وأن هذه الانتخابات حملت طابعاً عقابياً تجاهه.
ويختم بالقول، رداً على سؤال حول إمكانية أن ينتقم ترامب مطلقاً العنان للحرب: "علينا أن ننتظر ونرى كيف سيتصرف ترامب الخاسر، لأن المشهد لا يزال مفتوحاً على احتمالات عدة، خصوصاً بعد الانتخابات العقابية التي خاضتها الولايات المتحدة الأميركية".
إستراتيجية القلم والهاتف
أمّا في ما يتعلق بصلاحيات ترامب حتى مع خسارة فريقه الكونغرس، فيمكن له في حالات تجاوز الكونغرس، كما حصل خلال ولاية باراك أوباما الثانية (2013-2017). حينها تحول الاعتماد على القرارات والأوامر التنفيذية (Executive Actions) لتجاوز الكونغرس، إلى إستراتيجية رسمية ومعلنة عُرفت باسم إستراتيجية "القلم والهاتف" (Pen and Phone Strategy). جاء هذا التحول آنذاك، نتيجة حالة الانسداد السياسي والمعارضة الشديدة من الحزب الجمهوري الذي أحكم سيطرته على الكونغرس بعد الانتخابات النصفية للعام 2014. حينها أعلن أوباما عبارته الشهيرة: "لا يمكننا الانتظار.. لدي قلم يمكنني استخدامه لتوقيع أوامر تنفيذية، ولدي هاتف لحشد الجهود"، وأصدر بعدها 138 أمراً تنفيذياً و128 مذكرة رئاسية، مررها من دون الرجوع إلى الكونغرس.