المصدر: النهار
الكاتب: عبد الوهاب بدرخان
الثلاثاء 6 كانون الثاني 2026 16:36:56
كل ما رشح عن لقاء ترامب- نتنياهو في فلوريدا، عشية رأس السنة، كان مناقضاً لأجواء الخلاف الحاد التي أشيعت قبله. أثبت الرجلان مجدداً أن علاقتهما وما يتفقان عليه من أهداف يبقيان قاعدةً ثابتة وفوق أي خلاف. يكفي أن ترامب لا يزال يدافع علناً عن نتنياهو، خصوصاً في قضايا الفساد التي يُلاحقه القضاء الإسرائيلي في شأنها، بل يطلب وقف محاكمته وتبرئته وأن يُصدر رئيس الدولة الإسرائيلي عفواً خاصاً عنه، حتى لو أدّى ذلك إلى تمريغ سمعة هذا الرئيس في الوحل. كان ترامب نفسه مرّ بهذه التجربة، بل أن القضاء الأميركي دانه في أكثر من ملف، ولم يطلب عفواً رئاسياً يعلم أنه لن يحصل عليه، لكنه خرج منها أقوى من "النظام" الأميركي نفسه وانتخب رئيساً، لا ليغيّر هذا النظام فحسب، بل ليقلب العالم رأساً على عقب. ترامب ينظر اليوم إلى العالم متمثّلاً نظرة صديقه الإسرائيلي إلى قطاع غزة قبل أن يدمّره.
مع ذلك كان هناك تباينٌ في كل الملفات، وكان على نتنياهو أن يتذكّر القاعدة التي يعرفها جيداً: يمكنه أن يطلب ما يشاء لكن من دون أن يمسّ بما تعتبره أميركا، تحديداً أميركا- ترامب، مصلحة لها. الملف الوحيد المتفق عليه في مختلف الأحوال يتعلّق بإيران، وبالتالي بـ "حزبها" في لبنان.
أما بالنسبة إلى غزّة وسوريا فقد أصبحتا مرتبطتين بمصالح ترامب مع الخليج، وبالأخص مع السعودية، لذلك لا بدّ من تنفيذ "اتفاق غزة" حتى لو تطلب الأمر من جهة إغضاب عصابات المتطرّفين في حكومة إسرائيل، ومن جهة أخرى التعاون مع تركيا في القوة الدولية لأن دورها ضروري في نزع سلاح "حماس". ولا بد أيضاً من "اتفاق أمني" مع سوريا، ليس فقط لمعالجة الوضع الحدودي الذي افتعلته إسرائيل غداة سقوط النظام السابق، بل لإبقاء مسألة "السيادة على الجولان" خارج النقاش. وإذا كان هناك خلاف في شأن الضفة الغربية فإنه تفصيلية ولا علاقة له بالقانون أو الحقوق بل بشيء من "تحسين" سلوك الاحتلال والمستوطنين.
ربما أُسمع نتنياهو في فلوريدا تأكيداً لموقف أميركي شبه معلن لا يدعم حرباً واسعة في لبنان، أو حرباً جديدة ضد إيران، لكنه لن يعتبر ذلك كلاماً نهائياً وسيترجمه بالعبرية وفقاً لأهدافه، متفائلاً بالحدث الفنزويلي الذي برهن به ترامب أن لا قواعد ولا أعراف تستوجب الاحترام. فهم نتنياهو أن "صديقه" يسترشد به ويمشي على خطاه ولو بسيناريو خاص به، حتى إن الحملة المستمرة على فنزويلا لم تخلُ من استهداف لإيران و"حزبها". صحيح أن ترامب لم يوافقه علناً على ضربة ثانية لإيران لكنه لم يستبعدها وترك له أمر الاستعداد لها، ثم إن الوضع الداخلي الإيراني ينطوي حالياً على أسباب ترجّح التريث في القرار الحربي.
أما في شأن لبنان، وعلى رغم انتهاء تجريد جنوب الليطاني من سلاح "حزب إيران/ حزب الله"، فإن إسرائيل لن تعترف بأن ما حصل في هذه المرحلة كافٍ وستواصل الهجمات اليومية المتصاعدة، كما تفعل حالياً، من دون أي اعتراض أميركي. فلا خلاف بين واشنطن وإسرائيل على استمرار الضغط للانتقال إلى المرحلة التالية من "حصر السلاح" في شمال الليطاني.