ترايسي شمعون تكشف وجهها الآخر: من السياسة والدبلوماسية إلى عالم الرسم

بعد سنوات طويلة أمضتها في السياسة والإعلام والعمل الدبلوماسي، اختارت ترايسي شمعون أن تكشف أخيرًا جانبًا ظلّ بعيدًا عن الأضواء: عالمها الفني الخاص الذي احتفظت به سرًا لعقود.

في معرضها الجديد «بدايات جديدة» المقام في «غاليري ميشن آرت» في شارع أرمينيا ببيروت، تعرض شمعون للمرة الأولى لوحاتها الفنية أمام الجمهور، فاتحة صفحة مختلفة من حياتها بعد مسيرة حافلة بالعمل العام.

عرف اللبنانيون ترايسي شمعون باعتبارها ابنة الرئيس الراحل داني شمعون، الذي اغتيل مع اثنين من أبنائه عام 1990 في واحدة من أكثر المحطات مأساوية في تاريخ لبنان الحديث. ومنذ ذلك الحين، حملت أدوارًا متعددة تنقلت خلالها بين السياسة والصحافة والدبلوماسية، وصولًا إلى توليها منصب سفيرة لبنان في الأردن بين عامي 2017 و2020، قبل أن تستقيل عقب انفجار مرفأ بيروت مطالبة بتغيير جذري في أسلوب الحكم.
كما أسست حزب الديمقراطيين الأحرار، وخاضت غمار الترشح لرئاسة الجمهورية عام 2022، إلى جانب نشاطها الإعلامي وتأليفها لعدة كتب نالت جوائز تقديرية.

لكن خلف هذه المسيرة العلنية، كانت شمعون تمارس شغفًا آخر بعيدًا عن الأنظار: الرسم.

فن مؤجل لا مكتشف

تؤكد شمعون أن الفن لم يكن اكتشافًا متأخرًا في حياتها، بل رافقها منذ سنوات الشباب. فقد درست الفنون في كلية غولدسميث في لندن خلال ثمانينيات القرن الماضي، لكنها شعرت آنذاك بأنها لا تزال بحاجة إلى اختبار الحياة قبل أن تتمكن من التعبير الفني الكامل عن ذاتها.

وعلى مدى عقود، واصلت الرسم لنفسها فقط، من دون أن تعرض أيًا من أعمالها أو تفكر في تقديمها للجمهور.

اليوم، وبعد انسحابها من العمل السياسي، يبدو أنها وجدت اللحظة المناسبة لكشف هذا الجانب الشخصي والعميق من تجربتها.

لوحات تنبض بالأحلام والرموز

تضم المعروضات أربعًا وعشرين لوحة منفذة بالأكريليك على القماش، تتسم بطابع سريالي وروحي واضح، وتعكس عوالم داخلية مليئة بالأحلام والرموز والتجارب الشخصية.

وتقول شمعون إنها لا تبدأ الرسم وفق مخطط مسبق، بل تترك الحدس والرؤى الداخلية يقودان العملية الإبداعية. فكل لوحة، بحسب وصفها، تنطلق من صورة أو رؤية أو حلم يفرض نفسه عليها.

وتتنوع المواضيع بين المناظر المتخيلة، والأعماق البحرية، والرموز الكونية والفلكية، وصولًا إلى استحضار حضارات بعيدة لم تزُرها يومًا، مثل الحضارة الأزتيكية أو أهرامات الجيزة.

بين الروحانية والفن الشعبي

تتقاطع أعمال شمعون عند نقطة تجمع بين الفن الروحاني والتعبير البصري المعاصر، حيث تبرز الألوان الصارخة والتكوينات الغنية بالرموز والوجوه والعناصر الطبيعية.

ومن بين الأعمال المعروضة لوحة بعنوان «حيوات متعددة»، تستعيد من خلالها المراحل المختلفة التي عاشتها، بينما تعكس لوحة «سري الخاص» جانبًا من عالمها الداخلي الذي ظل مخفيًا عن الجمهور طوال السنوات الماضية.

أما لوحة «فوكس ماجيك»، فاستوحتها من أصوات بنات آوى التي تسمعها ليلًا حول منزلها، في حين تحتفي لوحة «ساتورنا» بفكرة انتهاء الحروب وعودة الخصب والوفرة.

البحث عن الذات بعد الحياة العامة

إلى جانب الرسم، تمارس شمعون اليوغا منذ سنوات طويلة، وسبق أن درّستها في الولايات المتحدة ولبنان، كما أمضت فترات داخل مجتمعات السكان الأصليين في أميركا الشمالية واهتمت بالممارسات الروحية التقليدية.

وتعبر عن قناعة مفادها أن الإنسان لا يعيش حياة واحدة فقط، بل يمر خلال حياته الواحدة بعدة «هويات» أو «أجساد» معنوية تتغير مع الزمن، من الطفولة إلى التمرد، ومن الانكسار إلى الحكمة.

ومن هذا المنطلق، ترى أن مرحلة الرسم تمثل اليوم هويتها الجديدة والأكثر انسجامًا مع ذاتها.

ومع افتتاح هذا المعرض، لا تقدم ترايسي شمعون مجرد أعمال فنية، بل تكشف للمرة الأولى عالمًا داخليًا ظل حبيسًا لعقود خلف أدوار السياسة والدبلوماسية والإعلام، لتبدأ فصلًا جديدًا عنوانه الفن والتأمل والحرية الشخصية.