"ترحيب وشكر" في تلقي "تفاهم" مثير للهواجس!... العودة المحدودة للنازحين تكشف المشهدية الكارثية

باستثناء الترحيب الشديد الوضوح والمقترن "بنصح" السلطة والخصوم بإعادة حساباتهم الذي طبع موقف الثنائي الشيعي، ولا سيما منه "حزب الله"، بدا الموقف اللبناني بغالبيته شديد الحذر والتريّث مع ريبة شديدة لدى بعض القوى السياسية في تلقي "التفاهم" الأميركي الإيراني الذي أعلن عن التوصل إليه فجر الاثنين.

وإذا كان البيانان اللذان أصدرهما رئيس الجمهورية جوزف عون ورئيس الحكومة نواف سلام تضمّنا "الترحيب والشكر" حيال وقف النار والأعمال العسكرية في لبنان الملحوظ في "التفاهم"، فإن ذلك لم يحجب مزالق عديدة بدا أركان السلطة كما العديد من القوى السياسية متريثين في الإفصاح عنها في اليوم الأول من إعلان التفاهم، ولكن من المتوقع أن تتبلور وتعلن تباعاً مع قابل الأيام.

ففي مقابل احتفاء حلفاء إيران بثبات رهانهم، والإيهام بأن "نصراً" تحقّق للنظام الإيراني، لم يكن خافياً أن شكوكاً عميقة ساورت كثيرين في لبنان حيال تأثيرات سلبية لـ"التفاهم" لجهة الإبقاء على إمكانات توظيف إيران للملف اللبناني، كما الإبقاء على قدرات دعمها التمويلية والتسليحية لـ"حزب الله" ما دام ملف أذرع إيران ووكلائها في المنطقة ليس في الأولويات الواضحة في "التفاهم".

ومع تصاعد الرفض الإسرائيلي لأي تخلٍ عن المنطقة العازلة في الجنوب، تعزّزت الخشية من تكريس ضمني لبقاء الاستباحة الإقليمية، ولو نصّ التفاهم على وقف العمليات العسكرية.

ولم يكن ينقص المشهد الشديد الالتباس حيال تداعيات هذا التفاهم على لبنان، إلا توجّه أعداد من النازحين إلى مناطقهم المدمّرة، حيث انكشفت الفاجعة الكارثية بكل ما للكلمة من معنى عن أقسى مشاهد الدمار، بما يحتّم تعقيدات المرحلة الطالعة والتساؤل متى وكيف سيعود النازحون إلى مناطق بات مستحيلاً على العائد أن يعرف أين كان منزله؟

ولذا بدأ التعامل مع الموعد المقبل للجولة الخامسة للمفاوضات على مسار واشنطن أيام 22 و23 و24 حزيران الحالي من منظار مختلف، لأن الرهانات تضاعفت على هذا المسار بما يحقق الحل الجذري الذي يهدف إليه لبنان بإنهاء الحرب وتحقيق الانسحاب الإسرائيلي وإنجاز حصرية السلاح بيد الدولة، عبر اتفاق مستدام لا تخترقه الاستباحات الإقليمية.

ولعلّ اللافت أن "حزب الله" المتسبّب بهذه الكارثة للجنوب والجنوبيين بفعل إشعاله حرب "إسناد إيران" لم يرعو عن إظهار حفاوته بتوجيهات طهران، فكشف مسؤول فيه لوكالة "رويترز" أنّ "الحزب لم ينفذ أي عمليات منذ الإعلان عن الاتفاق الإيراني – الأميركي". وأضاف: "نرفض التحرك الحرّ لإسرائيل في لبنان"، مشيراً إلى أنّ "إيران أخّرت توقيع الاتفاق لمراقبة التزام إسرائيل بوقف النار في لبنان".

أما المواقف الرسمية من مذكرة التفاهم الأميركي الإيراني، فتمثّلت في بيان أصدره رئيس الجمهورية جوزف عون بيان، قال فيه إنه "يثمّن ما تضمنته هذه المذكرة من احترام للخصوصية اللبنانية والإقرار بأن استقرار لبنان وأمنه يشكلان جزءاً لا يتجزأ من أي مسعى جدي لترسيخ الاستقرار في المنطقة، بعد ما تحمّله اللبنانيون من تضحيات وأعباء جسيمة خلال المرحلة الماضية.

إن الشعب اللبناني، ولا سيما أبناء المناطق التي تعرضت للاعتداءات والدمار وفقدت أعزاء لها ومصادر رزقها ومنازلها، يتطلع اليوم إلى أن تتحول هذه التفاهمات إلى خطوات عملية تضع حداً نهائياً لدوامة العنف، وتؤسس لمرحلة من الاستقرار والأمن والتعافي وإعادة الإعمار. كما توجّه "بالشكر إلى جميع الدول والجهات التي ساهمت في إنجاز هذه المذكرة".

أما رئيس مجلس النواب نبيه بري الذي أشاد في بيان بمذكرة التفاهم "الذي يؤسس بما تضمنه من بنود لإرساء دعائم الأمن والاستقرار في المنطقة وضمنا لبنان"، فلم يخف ارتياحه لمسار التفاهم الذي توصلت إليه أميركا وإيران وانعاكاساته الإيجابية على لبنان وجبهة الجنوب. وقال لـ"النهار" "إن المقهور في لبنان من الاتفاق بين الأميركيين والإيرانيين من غير الفخر له أن يكون لبنانياً".

وقال إنه في مهلة الـ60 يومًا سيتم بحث جملة من القضايا بين واشنطن وطهران، ولن ينتهي دورها في لبنان حيث تبقى المهمة الثانية هي انسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة. ورفض طرح "المناطق التجريبية " موضحاً أن هذا ما أبلغه لكل مراجعيه ومن بينهم الموفد السعودي الأمير يزيد بن فرحان.

وأكد أن "الاتفاق يشدّد على اتفاق شامل لوقف النار وجرى إعداده من أجل أن لا يفشل، ويختلف عن الاتفاق السابق مع إسرائيل أنه يتم هذه المرة بتدخل من الرئيس دونالد ترامب وتعهّد من القيادة في إيران الذين اثبتوا أنهم أساتذة محلفين في مادة الصبر الاستراتيجي وحياكة سجادته".

من جهته، وفي بداية جلسة مجلس الوزراء قال رئيس الحكومة نواف سلام: "نأمل أن ينجح الإعلان عن وقف إطلاق النار، الذي توصلت إليه الولايات المتحدة الأميركية والجمهورية الإسلامية الإيرانية، في وضع حد لهذه الحرب ووقف القتل والتدمير والتهجير وسائر المآسي والآلام التي أُنزلت باللبنانيين.

ونحن سوف نضاعف الجهود من خلال المفاوضات الجارية في واشنطن لتأمين الانسحاب الإسرائيلي الكامل من أراضينا والإفراج عن أسرانا".

أما "حزب الله"، فأصدر بياناً استهلّه "بالتبركة للجمهورية الإسلامية الإيرانية" ودعا "السلطة وجميع القوى السياسية اللبنانية للعودة إلى وحدة الموقف ومراجعة كل الحسابات والمسارات التي سارت عليها السلطة والابتعاد عن الأوهام والرهانات الخاسرة".

أما في المقلب الإسرائيلي، فأوجز وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس موقف الحكومة قائلاً: "يقود رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وأنا سياسة واضحة تنص على أن يبقى الجيش الإسرائيلي في المناطق الأمنية في لبنان وسوريا وغزة - دون تحديد سقف زمني - من أجل حماية الحدود والبلدات الإسرائيلية من هناك أمام العناصر الجهادية".

أضاف: "ستكون هذه المناطق خالية من السكان المحليين، وسيتم تدمير البنى التحتية للإرهاب تحت الأرض وفوقها، بما في ذلك المنازل في القرى الحدودية (قرى التماس) التي استُخدمت كمواقع للإرهاب". 

 في غضون ذلك، سُجّلت عودة اعداد من النازحين الى بعض القرى في الجنوب.  وشهد الأوتوستراد الساحلي باتجاه الجنوب حركة سير كثيفة للعائدين. فيما أصدرت قيادة الجيش بياناً دعت فيه إلى ضرورة تريّث الأهالي في العودة إلى القرى والبلدات الحدودية الجنوبية. 

وقد تراجعت وتيرة العمليات العسكرية في جنوب لبنان، لكن أفيد عن قصف مدفعي إسرائيلي استهدف شوكين والنبطية الفوقا وكفرتبنيت.

واستهدفت قذيفة مدفعية أطراف بلدة كفررمان بالتزامن مع وصول عدد من الأهالي بسياراتهم إلى محيطها. واستهدفت مسيّرة اسرائيلية سيارة في بلدة كفرتبنيت ما ادى الى سقوط ضحية كما استهدفت مسيرة دراجة نارية في حاريص . كما سجل اطلاق صاروخ مساء في اتجاه تلة علي الطاهر التي احتلتها القوات الإسرائيلية.