الثلاثاء 28 حزيران 2022

07:49

تشكيك بروايات الترسيم... «هلقد عنا معلومات»؟

المصدر: الجمهورية
الكاتب: جورج شاهين

منذ فترة، تسري الشائعات «على مدّ عينك والنظر»، وكلها تتناول حراك هوكشتاين من دون ان يرصد أحد له صورة او يطلّع على بيان رسمي يمكن ان يشير إلى أي رواية او سيناريو حقيقي لما قام به مذ غادر بيروت منتصف الشهر الجاري، واعداً باستكمال الاتصالات مع الجانب الاسرائيلي للعودة بالجواب المطلوب على العرض اللبناني الأخير.

 


فقد انتهت زيارته الاخيرة إلى حصر النقاش في نقطتين أساسيتين تتعلقان بالتعديل المقترح من الجانب اللبناني على «خطّه المتعرّج». وهما محصورتان بتوسيع «الفجوة» التي أحدثها في منتصف البلوك الرقم 9 لتستوعب ما هو مرسوم لـ «حقل قانا» ليبقى كاملاً من حصة لبنان، وإبقاء الخط 23 «قويماً» كما رسمه لبنان في المرسوم 6433 قبل11عاماً، لاستعادة ما شطبه هوكشتاين من البلوكات 10 و9 و8 بنسب مختلفة، تجاوزت ثلث الحقل الاخير (الرقم 8) الذي تحدّه النقطة 23 التي ترسم مثلث الحدود للمناطق الاقتصادية الخالصة اللبنانية والقبرصية والاسرائيلية.

 


وفي ظلّ غياب أي جواب يعتد به حتى اليوم، رصد اللبنانيون مجموعة الروايات التي تسرّبت في الأيام الأخيرة عن شكل الاتصالات التي أجراها هوكشتاين، من مجموعة من المصادر الإعلامية والديبلوماسية، وآخرها الرواية التي نقلتها وكالة «رويترز» مساء السبت الماضي، وقالت إنّ مفاوضين إسرائيليين اجتمعوا مع هوكشتاين في شأن الخلاف على الحدود البحرية مع لبنان، وانّ هؤلاء المفاوضين «أعربوا عن أملهم في أن يتمّ حل القضية قريباً». وقبلها بأيام، نقلت أقنية فضائية عن وسائل إعلام إسرائيلية قولها، إنّ هوكشتاين التقى طاقم المفاوضات الإسرائيلي بواسطة الفيديو، للبحث في الاقتراح اللبناني.

 


وعلى مسافة ثلاثة او اربعة ايام على مغادرته بيروت، نقلت وسائل إعلام عبرية، «أنّ الاقتراح اللبناني الذي تولّى عون تقديمه لهوكشتاين شفوياً، بات على طاولة المسؤولين في تل أبيب». وذكر موقع «غلوبس» الإسرائيلي، «أن المستوى السياسي في تل أبيب يدرس الاقتراح»، من دون الإشارة إلى مواعيد لتقديم الردّ. ولوحظ انّ الإعلام الإسرائيلي قد حصر حصيلة مفاوضات هوكشتاين في بيروت بما نقله من «رئاسة الجمهورية اللبنانية» ونقلت عمّا سمّتهم «منخرطين في الوساطة»، أنّ الاقتراح اللبناني يتعلق في شكل أساسي بحقل «قانا» المشترك بين المنطقتين الاقتصاديتين اللبنانية والإسرائيلية (وفقاً للموقع). وأضافت «إنّ رئيس الجمهورية اللبنانية يهدف إلى ضمان حصول لبنان على معظم إنتاج الغاز في هذا الحقل»، بعد «إسقاط الجانب اللبناني طلباته بما خصّ حقل «كاريش» الذي ورد في بيانات رسمية لبنانية عن كونه حقلاً متنازعاً عليه»...

 


ومن دون حاجة إلى مزيد مما نُشر في لبنان واسرائيل ومواقع مختلفة تُعنى بشؤون الطاقة، فإنّ الجانب اللبناني لم يُبلّغ حتى اللحظة أي معلومات حديثة. فهو لم ولن يعطي الأهمية لأي رواية او سيناريو يُنشر لغايات معروفة. فكل مصدر من مصادر التسريبات له مصلحة في إطلاقها، وهي تختلف في ما بينها عند الإشارة او التنويه بمعطى دون آخر، ولأسباب مختلفة، وقد تمّت جدولتها بطريقة علمية لئلا تلقي بظلالها على المفاوض اللبناني. فلبنان لن يكون له أي موقف، سواء مما يتبلغه من الجانب الاميركي، تاركاً للشائعات ان تتحدث عن نفسها، طالما انّ اياً من «المنخرطين» الأمنيين والسياسيين والحكوميين في العملية لم يتلق أي معلومة. فالسفيرة الأميركية دوروثي شيا غادرت بيروت بعد أيام على مغادرة هوكشتاين، لتنهي ما بدأته من اعمال خاصة في إجازتها الادارية التي انهتها قسراً مع دخول الباخرة «اينيريجين باور» إلى حقل «كاريش» في 3 حزيران الجاري، وهي تنتظر ما يمكن ان تأتي به مهمّة وسيط بلادها.

 


وعليه، فإنّ كل ما في عهدة لبنان الرسمي انّه تلقّى معلومات دقيقة اشارت اليها وثيقة ديبلوماسية تبلّغها لبنان الخميس الماضي، وافادت انّ هوكشتاين يتمنى ان يُبلّغ لبنان بموقف اسرائيلي متقدّم قبل نهاية الشهر الجاري، وإن تأخّر أياماّ قليلة، قد تتوافر لديه كل المعطيات في الأيام الأولى من تموز المقبل. وتمنّى هوكشتاين ان يكون الجواب ايجابياً ليستأنف مهمته، توصلاً إلى تفاهم يوفر مصلحة جميع الأطراف في المنطقة والعالم، في اشارة واضحة إلى ما سيكون لأي اتفاق من انعكاسات بالغة، ليس على الدول المعنية بالأحواض المتنازع عليها بين قبرص واسرائيل ولبنان وحسب، وإنما على مستوى المنطقة والعالم، في مثل الظروف التي تعيشها أسواق الطاقة.

 


وعلى هذه الخلفيات يمكن قراءة المواقف التي اطلّت في مثل هذه الظروف المشار اليها. وانّ الحديث عن تحركات الموفد الاميركي المقبلة في اتجاه المنطقة يعوزها كثير من الدقة والتفاصيل الغافلة على المتعاطين فيها. فإن كان الرد الاسرائيلي ايجابياّ ستكون له خطته، وإن كان سلبياً ستتغيّر كل المعطيات. وإن لم تصح كل هذه الاحتمالات فعلى اللبنانيين القبول بالامر الواقع، وخصوصاً إن ارتبطت الخطوات المقبلة بالزيارة التي سيقوم بها الرئيس الاميركي جو بايدن منتصف تموز المقبل إلى إسرائيل والسلطة الفلسطينية، قبل الانتقال الى الرياض التي سيشارك فيها في القمة الاستثنائية الاميركية ـ الخليجية ـ العربية غير المسبوقة التي يُعدّ لها الجانب السعودي، وهي عملية تحتاج إلى كثير مما يسمح بتقييم نتائجها وانعكاساتها.

 


وإن كان احد أبرز الديبلوماسيين المهتم بهذا الملف يؤكّد على هذه النظرية، فإنّ اي اشارة لربط مصير ملف الترسيم بحل الكنيست الاسرائيلي او الدعوة الى انتخابات مبكرة ليست في محلها على الإطلاق. فالملف بالنسبة إلى إسرائيل مرتبط بقرار تتخذه وزارة الطاقة، ولها مرجعية واحدة أمنية وعسكرية وعلمية متخصّصة، تعمل في السر وليس على صفحات الجرائد ووسائل التواصل الاجتماعي، ولا تهتم بمواقف القيادات السياسية والحزبية في اسرائيل كما في لبنان. وقد سبق لاسرائيل أن شكّلت اخيراً خلية أزمة ضمّت إلى وزيرة الطاقة كلاً من وزيري الخارجية والدفاع، في مهمّة مؤقتة لمتابعة الوساطة الاخيرة. وطالما انّ المسؤولين الثلاثة ما زالوا في مواقعهم فإنّ شيئا لن يتغيّر. ولمن يعتبر انّ في اسرائيل حكومة تصريف اعمال فهو مخطئ. فكل ما حصل انّ تفاهماً جرى لتقديم موعد تنفيذ «اتفاق التناوب» على رئاسة الحكومة، وسيكون على رئيسها نفتالي بينيت تسليم الأمانة الى وزير الخارجية يائير لبيد.

 


وبناءً على ما تقدّم، لا يمكن تقييم ما هو مرتقب قبل أي جديد جدّي، وانّ بعض المواقف اللبنانية ما زالت رهن بعض الصغائر والمزايدات الداخلية في انتظار جواب هوكشتاين دون سواه. وقبل ان يأتي الجواب بأي طريقة من الطرق، سيبقى النقاش بلا معنى، سوى عند الحاجة إليه في المناكفات الداخلية.