تقاطع أميركي-سعودي على كبح جموح اسرائيل و"الحزب"

بعد التصعيد بين إسرائيل و"حزب الله" في الأيام الأخيرة، استغاثت السلطات اللبنانية بالسعودية والولايات المتحدة الأميركية لكبحه، بعدما كادت الأمور تفلت من عقالها.

وتفيد المعلومات بأن الاتصالات بين واشنطن والرياض لا تتوقف في ظل التصعيد الإقليمي وعودة التوتر على الجبهة السعودية-الحوثية، وتُبحث خلالها قضايا إيران واليمن وغزة ولبنان ومضيق هرمز.

لكن التطورات في الجنوب دفعت بلبنان إلى الواجهة، عبر اتصالات سعودية-أميركية رفيعة المستوى، لحثّ واشنطن على كبح جماح إسرائيل من جهة، وحثّ السلطة اللبنانية، عبر الرئيس نبيه بري، على تهدئة "الحزب" من جهة أخرى.

وكشفت معطيات من واشنطن أن تلبية السعودية نداءات الاستغاثة اللبنانية تُشكّل تأكيدًا متجدّدًا من جانب ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء السعودي، الأمير محمد بن سلمان، على دعم الرئيس اللبناني جوزاف عون. وقد سمع الأميركيون كلامًا واضحًا من السعوديين مفاده أن الشأن اللبناني يدخل في صلب الاستراتيجية الإقليمية للرياض، وأن الهدف هو تأمين انسحاب إسرائيلي كامل من جنوب لبنان، بالتوازي مع الدفع بخطة لإخضاع جميع الجماعات المسلحة لسلطة الدولة اللبنانية.

واللافت أن الأهداف السعودية ليست بعيدة عن أهداف الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي يشدّد دائمًا على ضرورة تحقيق الهدفين المذكورين أعلاه. وتتمثل الرؤية الأميركية-السعودية في قيام دولة لبنانية مستقلة تمارس سلطتها على شؤونها الخاصة، من دون أن تكون عرضة للتدخلات الخارجية. وتكتسب هذه الرؤية الاستراتيجية أهمية متزايدة في ظل سعي أميركي إلى شرق أوسط جديد، يولي الاقتصاد والتحديث والاندماج العالمي أهمية قصوى، ويعتمد نجاحه على بيئة إقليمية مواتية للاستثمار الأجنبي المباشر والسياحة والأعمال الدولية والثقة الاقتصادية طويلة الأمد.

وانطلاقًا من هذه الرؤية، أفادت مصادر دبلوماسية أميركية بأن الاتصالات والضغوط الدبلوماسية المكثفة التي أجرتها السعودية، بالتعاون مع الولايات المتحدة والجانب اللبناني، أدّت مباشرة إلى خفض نسبيّ لوتيرة التصعيد العسكري الإسرائيلي. وجاء هذا التراجع الميداني نتيجة وساطة معقدة، ضغطت من خلالها واشنطن على تل أبيب لكبح العمليات العسكرية واستكمال المسار السياسي.

ولخّصت المصادر أبرز ملامح الحراك الدبلوماسي السعودي الأخير وآثاره في النقاط الآتية: أولًا، تنسيق سعودي-أميركي مكثف، أثمر تواصلًا أميركيًا-إسرائيليًا حاسمًا خلال الأيام الماضية لإلزام إسرائيل بالتهدئة.

ثانيًا: دعم سعودي وأميركي مشترك للمطالب الرسمية للدولة اللبنانية، وحماية سيادتها، والدفع نحو إيجاد حلول سياسية وأمنية دائمة للوضع المتأزم.

ثالثًا: إحياء المسار السياسي، أي "إطار روما"، عبر ممارسة الضغوط لإبقاء قنوات التفاوض غير المباشر قائمة، والتمهيد لعقد الجولة الثامنة من مفاوضات السلام والأمن بين لبنان وإسرائيل، المرتقبة في العاصمة الإيطالية روما.

رابعًا: كبح تدمير القرى الجنوبية، ووقف عمليات التجريف والنسف المتصاعدة التي يمارسها الجيش الإسرائيلي في بلدات وقرى جنوب لبنان.

لكن، رغم الضغوط الأميركية، بقي التصعيد الإسرائيلي قائمًا، وإن على نحو محدود، متسلّحًا باستفزازات "الحزب"، وخصوصًا في النبطية، التي تتزايد المخاوف من أن تكون المحطة التالية بعد مرتفعات علي الطاهر. وقد علمت "المدن" أن الأميركيين والسعوديين حثّوا السلطات اللبنانية على تعزيز حضور الجيش اللبناني في النبطية، وتنفيذ مهام عسكرية تقضي بتفكيك البنية التحتية لـ"الحزب" والبحث عن المقاتلين من بيت إلى بيت. لكن ذلك لم يحصل، وبقي انتشار الجيش رمزيًا، ولذلك لا تزال أخطار التصعيد الإسرائيلي محدقة بالنبطية.

 

السعودية ترفض الوصاية الإيرانية

وأكدت المصادر الدبلوماسية الأميركية أن السعودية قلقة من التوسع الإسرائيلي في الجنوب، وهي ترفض الوصاية الإيرانية واحتمال انتقال لبنان من دائرة النفوذ الإيراني إلى دائرة النفوذ الإسرائيلي.

وفي ظل هذه المعطيات، تنظر السعودية إلى كل من إيران وإسرائيل باعتبارهما قوتين مزعزعتين للاستقرار، إذ تهدد أعمالهما العدائية بمزيد من تقويض سيادة الدول العربية. ويتفق الأميركيون والإسرائيليون، وفق المصادر، على أن "الحزب" أداة رئيسية للنفوذ الإيراني في لبنان، لكن الرياض تشعر أيضًا بقلق متزايد من أن تؤدي المساعي الإسرائيلية لإعادة تشكيل المشهدين السياسي والأمني في البلاد، عبر القوة العسكرية، إلى استبدال شكل من أشكال الهيمنة الخارجية بآخر.

لذلك، فإن القاسم الاستراتيجي المشترك بين واشنطن والرياض يتمثل في الحفاظ على توازن إقليمي تكون فيه مؤسسات الدولة اللبنانية القوية، لا القوى الأجنبية أو الجهات المسلحة من غير الدول، هي التي تحدد المستقبل السياسي والأمني للبنان.

وتشير المعطيات إلى أن السعودية، في كل الاتصالات أو اللقاءات الأميركية-السعودية، تبدي مخاوفها من أن تنطوي المحاولات الإسرائيلية للقضاء على "الحزب" بالقوة على مخاطر تتمثل في تفتيت الدولة اللبنانية وتأجيج التوترات الطائفية، ما قد يؤدي إلى حالة عدم الاستقرار ذاتها التي تسعى الرياض إلى الحيلولة دون وقوعها.

أما التباين بين الأميركيين والسعوديين في ما يخص لبنان، وفق المصادر، فيتعلق باتفاق الإطار، ليس بالجوهر، إنما أبدت الرياض تحفظاتها خشية أن يصبح الجيش اللبناني طرفًا يسهّل ترتيبات أمنية إسرائيلية دائمة، أو يتولى مهام ضبط الأمن المرتبطة بها، وهو ما قد يفتح الباب أمام مقارنات غير مرغوب فيها مع دور السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية المحتلة.

وفي هذه الحال، سيجد "الحزب" وإيران نفسيهما في موقع يتيح لهما تعزيز روايتهما القائلة إن إيران و"محور المقاومة" هما الوحيدان اللذان يتصديان بصدق للتوسع الإسرائيلي. وقد تؤدي نتيجة كهذه إلى تعزيز الدعم الشعبي لـ"الحزب" داخل لبنان، مع زيادة تعقيد الجهود الرامية إلى ترسيخ احتكار الدولة اللبنانية لاستخدام القوة.

كما أن ثمة مخاوف سعودية من أن يدفع لبنان ثمن تنفيذ اتفاق الإطار، في حال تطبيقه بطريقة تؤسس لوجود إسرائيلي غير محدد المدة، من دون معالجة الوضع العسكري لـ"الحزب" بصورة كاملة. وهذا ما اعتبرته الرياض أمرًا غير مرغوب فيه، وأبلغته إلى واشنطن.

وتدرك الإدارة الأميركية أن السعودية ليست وحيدة في مخاوفها، بل إن شركاءها الإقليميين، مثل مصر وباكستان وتركيا والأردن وقطر، يتخوّفون أيضًا من التصعيد الإسرائيلي في الجنوب ومن حالة عدم الاستقرار في لبنان. ولا شك في أن هذه الدول، التي انخرطت في تكتل جيوسياسي، تتدخل كلما شعرت بازدياد وتيرة الأعمال العسكرية بين إسرائيل و"الحزب"، وغالبًا ما يستعين بها عون للعب دور في كبح التصعيد.

لكن المصادر الدبلوماسية الأميركية ترى أن المطلب السعودي بوقف الأعمال العدائية لا يمكن أن يتحقق إذا لم توقف إيران و"الحزب" استغلال الجنوب لتمرير الرسائل إلى واشنطن، ومحاولات إيران عرقلة فصل الجبهة اللبنانية عن حربها مع الولايات المتحدة. بل إن إيران تعتبر أن الجنوب لا ينفصل عن الجبهات الساخنة في مضيق هرمز واليمن وغيرهما.

وتلفت المصادر إلى أن القيادة الإيرانية لا تولي أي اعتبار للتضحية بـ"الحزب" وقاعدته الشعبية في ظل العمليات العسكرية الإسرائيلية المفرطة، فهي تعتمد على امتثال قادة "الحزب" لقرارات الحرس الثوري، بغض النظر عن حجم التفاوت في القوة العسكرية.

ولا شك في أن الرئيس نبيه بري لا يزال الوسيط الأساسي للتواصل مع "الحزب"، وتعرف واشنطن ذلك، ولذلك تُبقي قنوات التنسيق بين السفير الأميركي ميشال عيسى وبري قائمة. وقد توافرت للإدارة الأميركية معلومات عن توتر متزايد بين "الحزب" وحركة "أمل"، على خلفية إطلاق الصواريخ من بين منازل المدنيين، ما أثار إشكالات في مطلع الأسبوع، وأظهر نقمة لدى بعض أهالي الجنوب على "الحزب". 

وتدرك الإدارة الأميركية أن القرار ليس في يد "الحزب"، بل في إيران، ولذلك فشلت كل مساعي عيسى مع بري للجم عمليات "الحزب"، التي تسير وفق إيقاع المواجهة الإيرانية مع الولايات المتحدة.

وتختم المصادر الدبلوماسية الأميركية بأن واشنطن والرياض تعوّلان دائمًا على دور بري في التخفيف من مخاطر الحرب، بالتنسيق مع الرئيس عون. وهما تعلمان أن رئيس مجلس النواب يرغب بشدة في فصل حرب لبنان عن الحرب مع إيران، لكنه لا يجد سبيلًا إلى ذلك من دون إطار المفاوضات بين واشنطن وطهران، وهذا ما أبلغه إلى عيسى مرارًا وتكرارًا.