المصدر: النهار
الكاتب: روزانا بو منصف
الأربعاء 14 كانون الثاني 2026 07:36:23
أخذت إيران في الأيام الأخيرة بجدية كبيرة، التهديدات التي لوّح بها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ولو أن الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني قلل أثناء مشاركته في التظاهرة في طهران دعما للنظام من خطورة تهديدات الرئيس الأميركي ضد طهران، قائلا إنه "يتحدث كثيرا بمثل هذه التصريحات ولا ينبغي أخذ كلامه على محمل الجد".
ويقول ديبلوماسيون إن إيران تدرك تماما المسار الذي سلكه ترامب مع الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، متحدثا معه عبر الهاتف ومحذرا ومهددا قبل إرسال قوة أميركية قبضت عليه وساقته إلى الولايات المتحدة، كما تستطيع إيران قراءة تهديدات ترامب إزاء رغبته في السيطرة على غرينلاند والتحديات التي يضعها أمام شركائه الأوروبيين، غير آبه فعلا بالاعتراضات المانعة لذلك، ومدفوعا بزخم يرى كثيرون صعوبة كبيرة في لجمه خارجيا وحتى في الداخل الأميركي.
فالمراقبون الديبلوماسيون تابعوا بدقة، ليس تقليص البعثات الديبلوماسية المعتمدة في طهران عديد أفرادها فحسب، بل أيضا مواقف وتصريحات أوروبية لا أميركية أو إسرائيلية، تخلى أصحابها عن حذرهم من الكلام على احتمالات تغيير النظام في إيران.
دعوة النظام مؤيديه إلى الشارع دعما له، رأى فيها هؤلاء المراقبون خطورة كبيرة، ليس في إطار تظهير شارع موال مقابل شارع معارض والتقليل من أهمية هذا الأخير أو ضعفه إزاء تأكيد قوة شرعيته، بل في نية النظام أو تلويحه بإثارة أخطار مواجهة أهلية تحمله على التدخل بقوة وتبرر له ذلك، على قاعدة أن هناك جواسيس وإرهابيين.
في موازاة ذلك، أعربت السلطة الإيرانية عن استعدادها لاستئناف المفاوضات النووية مع الولايات المتحدة على قاعدة اتصالات مباشرة أجراها وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي مع المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف، واتصالات غير مباشرة عبر عمان لتأكيد ذلك، على رغم صدور مواقف لنخب أميركية لم ترَ في هذه المحاولة الإيرانية سوى فخ لإجهاض أي اتجاه لاتخاذ ترامب خطوات عقابية أو قوية من طهران، ودعت هذه النخب إلى عدم إتاحة المجال أمام إيران لشراء الوقت مجددا، فيما لم تظهر طهران استعدادا بعد للعودة إلى التفاوض بناء على الأسس أو الشروط التي يعلنها الرئيس الأميركي، سواء حول نسبة التخصيب أو الصواريخ الباليستية أو دعم قوى إقليمية في المنطقة. بذلك بدت واضحة الجدية والتكتيكات التي تتعامل بها إيران مع تحذيرات ترامب وإمكان تدخل الولايات المتحدة في الاحتجاجات الإيرانية والإسراع إلى محاولة إخماد هذه التظاهرات بأي وسيلة ممكنة غير دموية على نحو كارثي، علما أن ثمة حديثا عن تجاوز مئات القتلى نتيجة هذه الاحتجاجات، ومن خلال جهود إدارة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان لتهدئة التوترات مع الولايات المتحدة.
والواقع أن التهديدات الإيرانية بالاستعداد لكل الاحتمالات، بما فيها احتمالات الحرب ردا على الولايات المتحدة أو إسرائيل، لم تعد تثير مخاوف كبيرة كما في السابق، ولا توخذ بجدية ما قبل حرب الـ12 يوما على إيران في حزيران الماضي.
هل تنفع تكتيكات إيران التقليدية في ظروف مماثلة؟
في إقل تقدير، ينتظر هؤلاء المراقبون أن تفرض التهديدات الأميركية التي تلاقيها توقعات أوروبية، على غرار قول المستشار الألماني "إننا نشهد الأيام والأسابيع الأخيرة من حكم النظام الإيراني"، ضغوطا قوية تفترض تنازلات أو مقايضات على الأقل يمكن أن تسارع طهران إلى إجرائها قبل أن تبدأ بمواجهة مزيد من الخسائر أو تتأخر في ذلك. وليس مبكرا بالنسبة إلى هؤلاء، نتيجة لذلك، احتمال اتجاه طهران إلى التخلي عن ورقة "حزب الله" في الأشهر المقبلة، علما أنها لا تزال متشددة راهنا في ذلك، في حال شعر النظام بأنه بات فعلا مهددا بوجوده أو استمراريته، وذلك من ضمن احتمالات بدء طهران التخلي عن أوراق تتمسك بها راهنا وتفتخر بامتلاكها، كما في حال الحزب أو دعم الحوثيين أو فصائل عراقية، حتى لو أن الكلام يتركز على استئناف المفاوضات على النووي فحسب، لاسيما إذا كان المشهد الإيراني ككل معرضا للتغيير.
لا يقلل كثر من أهمية دلالات كلام الرئيس اللبناني جوزف عون في ذكرى مرور سنة على انتخابه، متحدثا عن ضرورة أن يتعقلن الحزب وإيران من ورائه، في قراءة الظروف الإقليمية، وذلك بعد تجربة طويلة من حوار يقيمه الرئيس اللبناني مع الحزب في هذا الإطار، وفي موازاة كلام مماثل قيل لوزير الخارجية الإيراني في زيارته للبنان الأسبوع الماضي. ويسري ذلك بالأهمية نفسها على رفضه أن يكون لبنان منصة لتحديد استقرار الدول على نحو يفهم في اتجاهات عدة لا تتصل فقط بسوريا بل بإسرائيل أيضاً.