تلاحقهم اتهامات القتل بـ"الساحل".. من هم المقاتلون الأجانب في سوريا؟

شهادات لذوي ضحايا في أحداث الساحل السوري وشهود عيان، توالت خلال الأيام الماضية، لتشير إلى مشاركة "مقاتلين أجانب" في الاشتباكات وأعمال العنف التي ارتُكبت في كل من محافظتي طرطوس واللاذقية، والقرى والبلدات التابعة لهما.

وفي حين تتجه الأنظار إلى نتائج التحقيقات التي ستصل إليها اللجنة المكلفة من رئيس المرحلة الانتقالية في البلاد، أحمد الشرع، تثار تساؤلات عن طبيعة هؤلاء المقاتلين الأجانب وانتماءاتهم، والتشكيلات التي يتبعون لها ومناطق توزعهم.

تساؤلات أخرى تفرض نفسها أيضا، حول ما إذا كان لهؤلاء دور فعلي في أعمال العنف التي راح ضحيتها أكثر من ألف شخص، حسب "المرصد السوري لحقوق الإنسان".

وتشير العديد من الشهادات المحلية التي ضجت بها مواقع التواصل الاجتماعي، نقلا عن شهود عيان من بينهم فنانين وصحفيين كانوا في مناطق الساحل منذ يوم السابع من مارس، إلى ضلوع "أجانب" في تنفيذ "المجازر" المرتكبة.

ومن بين هؤلاء، الممثلة السورية نور علي، التي تحدثت عبر حسابها في تطبيق إنستغرام عما حدث في منطقة جبلة بالساحل السوري.

وأوضحت في مقطع فيديو أنها تعرضت لإطلاق نار أثناء تصوير مجريات الأحداث بجوار منزلها. وشهدت كما تقول "عمليات ذبح" للمدنيين اتُهم مقاتلون سوريون وأجانب بتنفيذها، قبل دخول قوات الأمن العام.

وقالت "اقتحموا البيوت: شيشان وأجانب وتكفيريين. ناس انذبحت من كل الطوائف".

وفي رسالة موجهة إلى سلطات المرحلة الانتقالية، قالت علي: "يا بدكن سوريا السلام يا أما بلاها كلها البلد ما تحررنا لنعيش الحرب والرعب.. هل مضطرة أخاف من شيشاني على الحاجز مثل ما كنتم بتخافوا من الروسي والإيراني؟".

ومع ذلك لا يوجد أي توثيق باستثناء هذه الإقرارات، كفيديو مثلا أو صورة، كما الحالة التي أكدها مقاتلون سوريون بأنفسهم، بعدما وثقوا عمليات الإعدام الميداني التي نفذوها في الساحل بكاميرا هواتفهم.

وقالت "الشبكة السورية لحقوق الإنسان"، إن العمليات العسكرية التي رافقت تنفيذ "المجازر" في الساحل السوري، شارك فيها إلى جانب القوات الرسمية "فصائل عسكرية محلية، وتنظيمات إسلامية أجنبية منضوية شكليا تحت وزارة الدفاع، دون وجود اندماج تنظيمي فعلي".

كما شملت "مجموعات محلية من المدنيين المسلحين، الذين قدموا الدعم للقوات الحكومية، دون أن يكون لديهم انتماء رسمي لأي تشكيل عسكري محدد".

وأوضحت الشبكة في تقرير حقوقي لها، الثلاثاء، أن العمليات الأمنية التي انطلقت بعد سلسلة هجمات منسقة من "فلول نظام الأسد"، "لم تقتصر على ملاحقة المتورطين المباشرين، بل سرعان ما تحولت إلى مواجهات عنيفة".

وترافق مع هذه المواجهات، وقوع انتهاكات جسيمة واسعة النطاق، اتسمت معظمها بطابع انتقامي وطائفي، فيما لعبت الفصائل المحلية والتنظيمات الإسلامية الأجنبية المنضوية شكليا تحت وزارة الدفاع الدور الأبرز في ارتكابها، حسب الشبكة الحقوقية.

من هم المقاتلون الأجانب؟

لا تُعتبر قضية المقاتلين الأجانب، والذين يحملون أفكارا متشددة، جديدة على مشهد سوريا.

فمنذ سنوات ينشط هؤلاء ضمن تشكيلات عسكرية في مناطق شمال غربي البلاد.

كما أنهم طالما كانوا في دائرة الضوء العالمية، من منطلق الأخطار التي أحاطت بتحركاتهم عندما قاتلوا في سلسلة عمليات عسكرية إلى جانب "هيئة تحرير الشام" (النصرة سابقا) المصنفة إرهابية في أميركا ودول أخرى، والتي حلّها الشرع بعد استلامه زمام السلطة في البلاد.

ويقول الباحث في شؤون الجماعات المتشددة، حسن أبو هنية، لموقع "الحرة"، إن معظم هؤلاء المقاتلين "يستمدون أفكارهم من السلفية الجهادية".

ويضيف أن أعدادهم ضمن التشكيلات التي يتوزعون عليها، "لا تزيد عن حاجز الـ4 آلاف مقاتل وفرد من عوائلهم".

ويبرز من بين هذه التشكيلات، "الحزب الإسلامي التركستاني"، الذي يضم قرابة 2500 من المقاتلين الإيغور وعوائلهم المقيمة في ريف إدلب الغربي وريف اللاذقية الشمالي، وفق أبو هنية.

وإلى جانبه، يوضح الباحث أن كتيبة تطلق على نفسها منذ سنوات اسم "جماعة أنصار الإسلام"، تنشط في شمال غرب سوريا.

وبينما لا يزيد عدد مقاتلي هذه الجماعة عن 100 مقاتل، يشير أبو هنية إلى أنه كانت ترتبط في السابق بتنظيم "القاعدة".

ويشير كذلك إلى ما تسمى بـ"فرقة الغرباء"، وهي تشكيل عسكري أجنبي ينشط في غرب سوريا.

يترأس الفرقة عمر أومسن الذي تقول السلطات الفرنسية إنه "مسؤول عن تجنيد 80 بالمئة من الجهاديين الذين يتحدثون اللغة الفرنسية ممن ذهبوا إلى سوريا أو العراق".

وعلى مدى السنوات الماضية، تصادمت "هيئة تحرير الشام" مع فرقة أومسن، وحتى أنها اعتقلته أكثر من مرة، وانسحبت هذه الحالة على عدة تشكيلات أجنبية أخرى، بينها "تنظيم حراس الدين".

ورغم أن "حراس الدين" أعلن حل نفسه مؤخرا في سوريا، فإن الضربات التي تنفذها الولايات المتحدة لا تزال مستمرة ضده، وأسفرت منذ بداية العام الحالي عن مقتل 4 مسؤولين فيه، بشمال غرب سوريا.

"ألبان وشيشان وأوزبك"

التشكيلات التي تضم مقاتلين أجانب في شمال غرب سوريا، تشمل أيضا "كتيبة الألبان" أو كما تعرف أيضا بـ"الكتيبة الأودية"، وهو الاسم الذي اختارته لنفسها منذ سنوات.

تضم هذه الكتيبة بين 100 و150 مقاتلا في صفوفها جُلّهم من أصول ألبانية، ومن كوسوفو ومقدونيا الشمالية، ومناطق أخرى من البلقان.

وإلى جانبها، تنشط كتائب أجنبية أخرى كفصيل "أجناد القوقاز" و"مجاهدو الشيشان" و"جيش المهاجرين والأنصار" و"جند الشام". وجميعها لا يتجاوز عدد عناصرها 200 مقاتل، وفق أبو هنية.

كما يشير الباحث إلى "كتيبة الإمام البخاري" التي تضم مقاتلين أوزبك ويصل عددهم إلى ما يقارب 300 مقاتل، وإلى "حركة مهاجري أهل سنة إيران" أيضا، التي تضم مقاتلين من أصل فارسي وكردي ومن البلوش.

كيف يتعامل معهم الشرع؟

بعد سقوط نظام بشار الأسد، وفي أعقاب شروع الإدارة السورية الجديدة بالخطوات المتعلقة بالاندماج العسكري بين الفصائل المسلحة، تسلطت الأضواء كثيرا على وضع المقاتلين الأجانب والمصير الذي سينتظرهم.

"هل سيدينون بالولاء للدولة السورية في مرحلة لاحقة، أم قد يظلّون على عقيدتهم العابرة للحدود؟".. كان هذا السؤال أكثر ما تردد منذ تلك الفترة.

وجاء طرحه بعدما أثارت إدارة الشرع جدلا بإصدارها قرارات، رفعّت بموجبها رتب العديد من القادة الأجانب.

وكان من بين أولئك القادة، عبدل بشاري، قائد "جماعة الألبان"، وعمر محمد جفتشي (تركي الجنسية)، والمصري علاء محمد عبد الباقي، وعبد العزيز داوود خدابردي الذي ينحدر من الأقلية التركستانية في الصين.

بالإضافة إلى مولان ترسون عبد الصمد، وهو طاجيكي الجنسية، وعبد الرحمن حسين الخطيب الذي منح رتبة عميد، ويقال إنه أردني الجنسية، فضلا عن "ذو القرنين" زنور البصر عبد الحميد الملقب بعبد الله الداغستاني، وهو قائد "جيش المهاجرين والأنصار".

ويقول الباحث في شؤون الجماعات المتشددة، عرابي عرابي، إن "المجازر التي حصلت في الساحل السوري، قبل أيام، وقعت على يد أشخاص ومقاتلين سوريين موتورين"، على حد تعبيره، دون أن يستبعد ضلوع بعض المقاتلين الأجانب.

ويضيف عرابي لموقع "الحرة": "من ارتكب المجازر هي شخصيات محلية وليست أجنبية، إضافة إلى بعض العناصر من الفصائل المحلية التي قامت بالانتهاكات بعيدا عن الانضباط العسكري".

ما مصيرهم؟

أدانت الولايات المتحدة مقتل أشخاص غربي سوريا على يد من وصفتهم بـ"الإرهابيين الإسلاميين المتطرفين"، مطالبة إدارة المرحلة الانتقالية بـ"محاسبة مرتكبي المجازر ضد الأقليات".

وقال وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، في بيان الأحد، إن "الولايات المتحدة تدين الإرهابيين الإسلاميين المتطرفين، بمن فيهم الجهاديون الأجانب، الذين قتلوا أشخاصا في غرب سوريا في الأيام الأخيرة".

الباحث السوري في مركز "حرمون للدراسات المعاصرة"، نوار شعبان، يؤكد بدوره وجود إشكالية في ملف هؤلاء المقاتلين، معتبرا أنها "تكمن بالمفاهيم".

ويقول لموقع "الحرة": "قد يتغير عقلهم لاحقا بناء على تغير المفاهيم التي كانوا يسيرون بموجبها.. وبالتالي قد يلجؤون للتلاقي مع تنظيم داعش".

وبعد الاتفاق الذي أبرم بين الشرع وقائد "قوات سوريا الديمقراطية"، مظلوم عبدي، يرى الباحث السوري أنه "من الضروري مراقبة نشاط داعش، وما إذا كان لهذا التنظيم قدرة على استقطاب المقاتلين الأجانب من جديد أم لا".