تمديد إقامة السفير الإيراني... المخرج المخزي على حساب هيبة الدولة!

عندما تتحوّل السيادة إلى تسوية، ويصبح التأجيل ستة أشهر بدل تنفيذ قرار الدولة
 
أسقطوا الدولة اللبنانية، ثم ابحثوا عن مخارج تحفظ ماء وجه الذين لا يريدون الاعتراف بأن الدولة لا يمكن أن تكون دولةً إذا كانت قراراتها قابلة للتجميد كلما اصطدمت بإرادة قوة سياسية أو إقليمية.

واليوم، يطلّ علينا الحديث عن تمديد إقامة السفير الإيراني ستة أشهر، في ما يشبه «المخرج» أو التسوية المؤقتة، وكأن المشكلة ليست في احترام قرار الدولة وسيادتها، بل في إيجاد صيغة تؤجل الإحراج السياسي وتمنح الجميع فرصة للالتفاف على أصل القضية.

وهنا يصبح السؤال مشروعًا وقاسيًا:

أي دولة هذه التي تتخذ قرارًا، ثم تبحث عن طريقة لتأجيله؟ وأي سيادة تلك التي تصبح قابلة للتمديد ستة أشهر عندما يتعلق الأمر بممثل دولة أجنبية؟

إن تحويل تمديد إقامة السفير الإيراني إلى مخرج سياسي ليس تفصيلًا إداريًا عابرًا. إنه، في نظر من يرفضون هذا المنطق، مخرج مخزٍ لأنه يوحي بأن هيبة الدولة يمكن تعليقها، وأن القرار السيادي يمكن أن يوضع في الثلاجة، وأن ما لا يجرؤ البعض على حسمه اليوم يؤجلونه إلى الغد، ثم إلى ما بعد الغد، حتى يصبح الاستثناء هو القاعدة.

الدولة التي تحترم نفسها لا تحتاج إلى مخارج مهينة كي تنفذ قراراتها.

والدولة التي تخشى تنفيذ قرارها، لا يحق لها أن تطلب من شعبها الثقة بقدرتها على حماية السيادة.

ستة أشهر... وماذا بعد؟

تمديد الإقامة ستة أشهر قد يبدو للبعض تسوية دبلوماسية مؤقتة، لكنه يطرح سؤالًا أكبر من المدة نفسها: هل نحن أمام إجراء استثنائي محدود، أم أمام رسالة تقول إن القرار اللبناني قابل للتفاوض كلما تعارض مع إرادة الخارج أو نفوذ الداخل؟

ستة أشهر ليست المشكلة بحد ذاتها.

المشكلة هي المبدأ.

هل يبقى ممثل الدولة الأجنبية في لبنان وفقًا للأصول والقوانين والقرارات الرسمية، أم وفقًا لموازين القوى والضغوط السياسية؟

إذا كان الجواب الثاني، فليتوقف الجميع عن الحديث عن دولة قوية.

لأن الدولة القوية لا تُدار بالاستثناءات.
ولا تُحكم بالمخارج الملتوية.
ولا تقيس سيادتها بحسب هوية الدولة التي ينتمي إليها هذا السفير أو ذاك.

إن أخطر ما في هذه القضية ليس اسم السفير وحده، بل ما يرمز إليه التعامل مع الملف: هل يستطيع لبنان أن يقول «نعم» عندما يريد، و«لا» عندما يجب، ثم يلتزم بما يقرره؟

أم أن هناك من هو أقوى من القرار؟

من يريد دولة، فليقبل بسلطتها

لا يمكن للبعض أن يطالب بدولة حين تخدمه، ثم يرفض سلطتها عندما لا تناسبه.

لا يمكن المطالبة بالجيش اللبناني حاميًا للحدود، ثم القبول بأن يكون السلاح خارج الشرعية فوق قدرته.

ولا يمكن رفع شعار السيادة، ثم اعتبار أي قرار لا ينسجم مع مصالح محور إقليمي مؤامرةً أو استهدافًا أو مؤامرة خارجية.

السيادة ليست شعارًا يُرفع في المناسبات.

السيادة امتحان.

وامتحان السيادة الحقيقي هو أن تكون الدولة قادرة على تطبيق قراراتها على الجميع، من دون استثناء، ومن دون خوف، ومن دون البحث عن «مخرج» كلما ارتفع صوت الاعتراض.

أما الجيش اللبناني، الذي يحمل وحده شرعية الدفاع عن الوطن تحت راية الدولة، فلا يجوز أن يُترك في موقع المتفرج على انهيار مفهوم السلطة الشرعية.

لأن إضعاف الدولة هو إضعاف للجيش.

وإضعاف الجيش هو إضعاف لآخر مؤسسة جامعة يمكن أن يقف خلفها اللبنانيون.

حين يسقط القرار، تسقط معه الهيبة

قد يكون من السهل تمرير ستة أشهر إضافية تحت عنوان الواقعية السياسية أو الضرورات الدبلوماسية.

لكن الشعب اللبناني من حقه أن يعرف الحقيقة:

هل هذا التمديد قرار سيادي واضح ومبرر، أم تسوية لتفادي تنفيذ قرار كان يفترض أن يُحسم؟

فالفرق بين الدبلوماسية والتراجع كبير.

الدبلوماسية تحمي مصالح الدولة.

أما التراجع فيبدأ غالبًا عندما تصبح الدولة عاجزة عن الدفاع عن قرارها.

ولا يجوز أن يتحول لبنان إلى بلد يبحث دائمًا عن صيغة وسط بين الدولة ومن يريدون تعطيل الدولة، وبين الشرعية ومن يريدون فرض أمر واقع عليها.

إن كرامة لبنان ليست مادة تفاوض.

وهيبة مؤسساته ليست قابلة للتمديد.

والجمهورية لا يمكن أن تبقى واقفة إذا أصبح كل قرار سيادي يحتاج إلى إذن، وكل استحقاق يحتاج إلى تسوية، وكل مواجهة مع النفوذ الخارجي تنتهي بتأجيل جديد.

اليوم ستة أشهر... وغدًا ماذا؟

تمديد آخر؟

تسوية جديدة؟

مخرج إضافي؟

أم اعتراف صريح بأن الدولة اللبنانية باتت تخشى تنفيذ ما تقرره؟

الجمهورية لا تُنقذ بالمخارج المخزية

من هنا، فإن القضية أكبر من إقامة سفير إيراني، وأكبر من ستة أشهر إضافية.

إنها قضية دولة تريد أن تثبت أنها ما زالت موجودة.

فإذا كانت الدولة قد اتخذت قرارًا، فلتشرح للرأي العام أساس أي تعديل أو تمديد عليه بكل شفافية. أما تحويل التأجيل إلى انتصار، والتراجع إلى دبلوماسية، وتعليق القرار إلى حكمة سياسية، فهو تضليل للرأي العام.

المخارج التي تحفظ الهيبة مرحّب بها. أما المخارج التي تأتي على حساب هيبة الدولة، فهي مخارج مخزية مهما جرى تجميلها بالكلمات.

لبنان اليوم أمام خيار واضح:

إما دولة واحدة، بقرار واحد، وجيش واحد، وسيادة لا تستثني أحدًا...

وإما دولة بالاسم فقط، تتراجع عندما تُضغط، وتؤجل عندما تُحرج، وتبحث عن حلول مؤقتة كلما اصطدمت الحقيقة بالنفوذ.

وحينها، لا تسألوا من أسقط الجمهورية.

الجمهورية لا تسقط فقط بالدبابات والسلاح.

قد تسقط أيضًا عندما يصبح تنفيذ قرار الدولة أصعب من التراجع عنه.

وقد تسقط عندما يتحول تمديد إقامة سفير ستة أشهر إلى «مخرج»، فيما كان المطلوب أساسًا أن تكون الدولة هي المخرج الوحيد، والقرار السيادي هو الكلمة الأخيرة.

فلا تهينوا الجمهورية باسم التسوية... ولا تبيعوا هيبة الدولة بستة أشهر من التأجيل!