تمهيد لوجستي وخطة اغتيالات.. كواليس "حمولة الموت" بشريان البقاع في لبنان

يعيش الشارع اللبناني تحت وطأة صدمة أمنية ثقيلة أعادت إلى الأذهان حقبة الاغتيالات والتفجيرات السياسية القاتمة، بعد نجاح الأجهزة الأمنية في اعتراض سيارة محملة بنصف طن من المتفجرات عند شريان  البقاع الأساسي في ضهر البيدر. 

لم يسلط التطور الدراماتيكي الضوء فقط على حمولة الموت المضبوطة، بل فكّك في الوقت ذاته لغزاً أمنياً قديماً ارتبط بسلسلة حوادث منظمة وممنهجة وقعت في 31 مارس آذار الماضي؛ حين جرت عملية تدمير واسعة ومدروسة لشبكات كاميرات المراقبة الممتدة على طول الأوتوستراد الدولي بين شتورة وجلالا والمريجات.

وتتقاطع القراءات الأمنية والسياسية اليوم لتؤكد أن إسقاط تلك "العيون الرقمية" للدولة لم يكن مجرد عمل تخريبي عشوائي، بل كان بمثابة التمهيد اللوجستي والاستباقي لإنشاء ممر تهريب معزول بصرياً، يتيح نقل هذه الشحنات الحساسة بعيداً عن رقابة الأجهزة الرسمية.

كواليس الاختراق 
تفيد معطيات أفادت بها مصادر لبنانية نقلا عن جهات قضائية وأمنية رفيعة، بأن عملية الاعتراض التي نفذتها قوى الأمن الداخلي اللبناني لسيارة من طراز "دودج كارافان" كشفت عن حمولة مصممة لإحداث مجازر كبرى.

وأكدت المصادر في حديثها لـ"إرم نيوز"، أن  الصناديق الكرتونية المضبوطة داخل السيارة  احتوت على 250  كيلوغراماً من مادة "تي إن تي"، و250 كيلوغراماً أخرى من مادة "سي فور" شديدة الفتك، وجرى تدعيمها بكميات ضخمة من المسامير والكرات المعدنية الصغيرة. 
وتوضح المصادر أن إفادات الموقوفَين اللذين ينتميان إلى ميليشيا حزب الله  أظهرت أنهما تسلّما الحمولة في مدينة بعلبك من كادر حزبي ملقب بـ"ساجد"، وكان المقصد النهائي هو إيصالها إلى منطقة الضاحية الجنوبية لبيروت لتسليمها لمدعو "ذو الفقار".

وأشارت المصادر إلى أن الشرطة العسكرية في الجيش اللبناني تولت استلام الموقوفين والمواد لتعميق التحقيقات بإشراف مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية، بغية تحديد الأهداف المحددة والمخططات المرتبطة بهذه الشحنة الخطيرة.

"إعماء" الطريق الدولي 
وكانت تقارير إعلامية  لبنانية ربطت بشكل وثيق بين إحباط هذه العملية والحدث الذي شهده المحور البقاعي قبل أشهر، حين أقدم ملثمون يستقلون دراجات نارية على تحطيم  16 كاميرا تابعة لبلدية شتورة، إلى جانب 6 كاميرات تستخدمها مخابرات الجيش في جلالا، و6 أخرى تابعة لشعبة المعلومات في المريجات.

 هذا الاستهداف الموزع جغرافيا والمكرر على مراحل هدف بوضوح إلى نزع الغطاء الرقمي عن الطريق الكاشف للتحركات. 

ولو كانت تلك المنظومة تعمل بشكل طبيعي، لوفّرت للمحققين اليوم بنك معلومات متكاملا وفوريا يتيح رصد مسار السيارة بدقة، والتحقق من وجود سيارات استطلاع مرافقة تؤمن عملية المرور وتراقب الحواجز الأمنية الرسمية.

انقسام سياسي حاد ومخاوف من الفوضى
وفجّر الحادث موجة عارمة من ردود الفعل السياسية؛ حيث اعتبر رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع أن القضية تعد الأخطر منذ سنوات، متسائلاً عن الجدوى من نقل متفجرات من البقاع نحو بيروت والضاحية بدلاً من الجنوب إذا كان الهدف المعلن هو مواجهة إسرائيل.

من جهته، حذر النائب أشرف ريفي من خطورة تكرار سيناريوهات الاغتيال السياسي مستذكراً التاريخ الدامي للتفجيرات في لبنان، ومطالباً بإنهاء المظاهر المسلحة خارج إطار الشرعية.

كما انتقد النائب فؤاد مخزومي ما وصفه بالتراخي والتقاعس الأمني والقضائي طوال الأشهر الستة الماضية، متسائلاً عن سبب إهمال التحذيرات الرسمية التي أطلقها النائب جورج عقيص في مارس آذار الماضي حول خطورة تحطيم منظومة المراقبة. 
في المقابل، أعربت الأوساط القريبة من حزب الله عن التشكيك في هذه الرواية؛ حيث اعتبرت أن السيناريو المتداول يفتقر إلى المنطق، متسائلة كيف لجهة تمتلك باعاً طويلاً في العمل الأمني أن تنقل نصف طن من المواد المتفجرة التقليدية في مركبة عادية وتمر بها عبر حاجز رسمي مكشوف كحاجز ضهر البيدر.

وفي حين فضلت قوى سياسية حليفة كحركة أمل التريث بانتظار صدور النتائج الرسمية والنهائية عن قيادة الجيش، رأى النائب طوني فرنجية أن مساعي الحزب لإعادة بناء ترسانته لا تشكل مفاجأة لأحد، معتبراً أن الحل الحقيقي يكمن في تطبيق القرار 1701 وضمان حصرية السلاح بيد الدولة.

تحديات السيادة بوجه الحكومة
تضع هذه التطورات الميدانية المتلاحقة حكومة رئيس الوزراء نواف سلام أمام اختبار سيادي وسط محاولات مستمرة لبسط سلطة الدولة وحصر السلاح بيد المؤسسات الشرعية.
وكان رئيس الحكومة قد أكد بوضوح عقب ترؤسه اجتماعاً وزارياً أن الدولة ستتعامل بحزم مطلق وبلا هوادة مع أي سلاح أو مواد متفجرة خارج إطار الشرعية، سواء من حيث الحيازة أو النقل أو الاستخدام، مشدداً على التوسع في التحقيقات لتشمل كافة المتورطين والمخططين.

من جانبه يرى  المحلل السياسي طانيوس صبري الحاج أن جغرافيا الشريان البقاعي البيروتي لم تعد مجرد مساحة جغرافية للنقل والعبور، بل تحولت إلى مرآة تعكس الصراع المحتدم على هوية الدولة والسيادة في لبنان.

وأشار في تصريح لـ"إرم نيوز" إلى أن نقل كمية بهذا الحجم من المتفجرات وفي هذا التوقيت بالذات، بعد محاولات ضبط الحدود والمعابر، يؤكد أن شبكات التهريب والتمويل اللوجستي ما زالت تعمل وتحاول فرض خطوط إمداد بديلة مستفيدة من الثغرات التي أحدثها تعطيل منظومات المراقبة. 
وأوضح أن إثارة ملف تكسير الكاميرات القديم وربطه المباشر بتعطيل كاميرات أخرى رُكّبت حديثاً على أوتوستراد زحلة بعلبك وبين شتورة وسعد نايل يؤكد أن مسارات التهريب السريّة تعتمد بشكل أساسي على استراتيجية الإعماء البصري للأجهزة الأمنية لتأمين ممرات آمنة بعيدة عن الرصد الرقمي.

وخلص إلى أن القرار الفصل في القضية يبقى معلقاً بانتظار ما ستكشفه الأيام المقبلة من تحقيقات الشرطة العسكرية، وأن طريق ضهر البيدر سيبقى تحت مجهر الرقابة السياسية والأمنية المشددة كونه يمثل الخط الفاصل بين منطق حصرية السلاح بيد الدولة ومنطق الشبكات الأمنية التي تتحرك خارج نطاق القانون.