تنظيم محلات الصرافة في لبنان.. هل تُحاصر السوق السوداء؟

خطوة جديدة يخطوها لبنان في اتجاه تنظيم و"تنظيف" قطاعه المالي، فالتعميم الذي أصدره مصرف لبنان بالأمس يعيد رسم خريطة مؤسسات الصرافة، برساميل تقارب تلك التي كانت معتمدة قبل الأزمة المالية عام 2019، وشروط امتثال وتقنيات وامتيازات جديدة. يمهل مصرف لبنان الصرافين سنة كاملة قابلة للتجديد 6 أشهر للإلتزام بالمعايير الجديدة أو الخروج من السوق.

القرار يأتي في وقت لا يزال فيه لبنان مدرجاً على اللائحة الرمادية لمجموعة العمل المالي (FATF)، وإن كان التعميم موجّه للصرافين النظاميين أي المرخّصين، فماذا عن الصرافين غير المرخّصين والعاملين بالسوق اللبنانية منذ سنوات، فمن يضبط هؤلاء؟ وما حجم سوق الصيرفة غير النظامية في لبنان؟ وهل سيتمكن الصرافون المرخصون من الصمود أمام هذه المعايير، أم أن التشديد سيدفع بالمزيد منهم إلى السوق غير النظامية؟

 

ما الذي سيغيّره التعميم الجديد؟

ينص القرار الاساسي رقم 6 الصادر عن مصرف لبنان وموجّه إلى مؤسسات الصرافة، على شروط تأسيس وممارسة عملها أبرزها تحديد رأسمال فئات الترخيص، وحدّد المركزي الرساميل بـ25 مليار ليرة لبنانية لمؤسسات الفئة "أ"، وصولاً إلى 100 مليار ليرة لخدمة شحن الأوراق النقدية والمعادن الثمينة عبر الحدود (الفئة A1)، و25 مليار ليرة لخدمة التحويل غير الرسمي للأموال (الفئة A2)، و10 مليارات ليرة لمؤسسات الفئة "ب".

وبات بموجب تعميم مصرف لبنان الجديد إلزامياً على شركات الصرافة تعيين ضابط امتثال متخصص بمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، مع حظر التعاقد مع طرف ثالث لأداء هذه المهمة بالنسبة إلى مؤسسات الفئة "أ". بالإضافة إلى إلزامية تركيب كاميرات مراقبة في مراكز العمل، مع الاحتفاظ بالتسجيلات لمدة لا تقل عن ستة أشهر.

كما يفرض التعميم إجراء تدقيق خارجي سنوي وتقارير دورية ترفع إلى مصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف بصورة شهرية أو نصف سنوية بحسب الفئة، مع ضرورة حفظ السجلات لعشر سنوات على الأقل، وتطبيق إجراءات تحقق مشددة مثل هوية العملاء (KYC). 

في المقابل، يمنح مصرف لبنان بموجب التعميم بعض التسهيلات التي لم تكن متاحة سابقاً، أبرزها السماح لمؤسسات الفئة "ب" بالتعاقد كوكيل مع شركات تحويل الأموال الإلكترونية (مثل OMT وWhish)، والسماح للصرافين بتنفيذ حوالات تجارية ضمن سقف محدد وبضوابط معينة.

 

"تصحيح" لا انكماش

تلقفت نقابة الصرافين تعميم مصرف لبنان بإيجابية، ووصفه مصدر رفيع من النقابة بـ"القرار التصحيحي" لأوصاع المهنة. وقال في حديث لـ"المدن" إن التعميم الجديد جيد بمجمله على الرغم من التشديد الذي يحمله على مستوى الامتثال، معتبراً أنه ترافق مع مَنح صلاحيات جديدة لم تكن متاحة سابقاً، لا سيما السماح لمؤسسات الفئة "ب" بالعمل كوكيل لشركات تحويل الأموال، وبتنفيذ حوالات تجارية ضمن سقف محدد. وخلُص المصدر إلى أن التعميم يسير في اتجاه "أكثر تنظيماً"، بما يجعل مؤسسة الصرافة أقرب إلى معايير الشركات المطابقة للمواصفات الدولية.

واستبعد المصدر أن يؤدي التعميم إلى تقلّص السوق الرسمي، مشيراً إلى أن الصرافين الذين يملكون الرأسمال المطلوب من مصرف لبنان قادرون على الاستمرار بدون عقبات وأن المؤسسات الكبرى في السوق قريبة بالأصل من استيفاء الشرط الجديد واصفاً ذلك بأنه أقرب إلى "نوع من التصحيح" مع مصرف لبنان أكثر منه أزمة وجودية للقطاع. 

لا شك أن "إعادة تقييم الرساميل" يُعد إقراراً ضمنياً بأن جزءاً من الصرافين المرخصين لا يستوفون حالياً الرقم الجديد، ويحتاجون إلى خطوة تصحيحية فعلية خلال مهلة العام الممنوحة لهم، لكن لا بد أيضاً من التذكير بأن الرساميل المحدّثة تقارب ما كانت عليه قبل العام 2019 أي قبل انيهار العملة ما يعني أن غالبية الصرافين المرخصين يمكنهم اليوم تثبيت وجودهم في السوق لا الخروج منه.

 

ماذا عن الصرافين غير المرخّصين؟

وإذا كان عدد الصرافين غير المرخّصين قبل عامين يتجاوز 90 في المئة من إجمالي سوق الصرافة، إلا أنه اليوم قد لا يتجاوز 50 في المئة وليس لسبب سوى أن مربحية هذا النشاط تراجعت مع الاستقرار النسبي في سعر الصرف، بما لم يعد يتيح لغير المرخصين تحقيق أرباح كبيرة من فروقات سعر الصرف كما في السابق. إلا أن ذلك وإن دفع بالسوق غير النظامي إلى التقليص لكنه لا يزال واسعاً باعتبار أن قرابة نصف الصرافين العاملين في السوق غير مرخّصين ويعملون خارج الإطار القانوني، وفق ما تفيد به معلومات "المدن"، وهؤلاء تحديداً لا يطبّقون أي من قواعد الامتثال.

ويؤكد مصدر مواكب بأن الإجراءات التنظيمية الجديدة قد تترافق مع حملة أمنية لملاحقة الصرافين غير المرخصين، لكن هذه الإجراءات وإن كانت ضرورية لتنظيم القطاع إلا أنها غير كافية "ما دام الاقتصاد بمجمله يعمل بالدولار خارج أي إطار مقنن". ويلفت إلى أن مجموعات التواصل عبر تطبيقات واتساب وتيليغرام لا تزال تشكل الأداة الأخطر في تنسيق عمليات الصرافة غير الرسمية، وأنها لا تزال نشطة حتى اليوم، وأي إجراءات ضبط لا تشملها لن تكون جذرية.

بالمحصّلة يضع تعميم مصرف لبنان الجديد قطاع الصرافة أمام معايير أكثر صرامة على مستوى الحوكمة والامتثال، لكن بين تطمينات نقابة الصرافين حول قدرة السوق الرسمي على الاستيعاب، وتشخيصها لكون المشكلة في دولرة الاقتصاد الشاملة، يبقى السؤال الأهم: هل يكفي تشديد القواعد على الأقلية الملتزمة من الصرافين لتحقيق الهدف المعلن من وراء التعميم وهو تحسين موقع لبنان أمام مجموعة العمل المالي، ما دامت الغالبية الساحقة من عمليات الصرافة تجري يومياً بشكل غير مقونن؟