تهجير الضاحية وكابوس غزَّة..

سيطرت حالة ثقيلة من القلق والترقب على الوضع الداخلي بعد الإنذار الإسرائيلي بإخلاء الضاحية الجنوبية لبيروت من سكانها، مما يعني تهجير مئات آلاف العائلات من أحد أكبر التجمعات السكانية في البلاد.  

المأساة الإنسانية الجديدة لا يمكن اختزالها بلغة البيانات العسكرية أو الخرائط الميدانية، لأن المسألة هنا لا تتعلق بموقع عسكري معزول، بل بمدينة مكتظة بالحياة، يسكنها أطفال وعائلات وكبار سن ومرضى، وتضم مستشفيات ومدارس ومراكز عمل تشكل جزءاً أساسياً من النسيج الاجتماعي للعاصمة.

إن مجرد  توجيه إنذار بإخلاء منطقة بهذا الحجم، يعني عملياً دفع مئات آلاف المدنيين إلى النزوح القسري في ظرف أمني بالغ الخطورة، وفي بلد يعاني أصلاً من ضعف شديد في قدرته على استيعاب أزمات إنسانية جديدة. فالضاحية ليست جزيرة منفصلة عن بيروت، بل جزء عضوي من حياتها اليومية، ومن اقتصادها وحركتها الاجتماعية، وأي تفريغ مفاجئ لها سيخلق حالة من الفوضى الإنسانية والضغط الهائل على أحياء العاصمة  والمناطق المجاورة، التي لا تملك أساساً البنية التحتية، أو القدرة الاجتماعية لاستيعاب هذا العدد الكبير من النازحين.

لكن المخاطر لا تتوقف عند البُعد الإنساني. فإخلاء الضاحية من السكان قد يفتح الباب أمام مرحلة مختلفة من العمليات العسكرية، إذ أن تحويل منطقة مكتظة إلى مساحة شبه خالية من المدنيين قد يمنح إسرائيل هامشاً أوسع لتكثيف عمليات القصف والتدمير بحجة استهداف البنية العسكرية لحزب الله. وهذا السيناريو يعيد إلى الأذهان ما شهدته غزة من تحولات دراماتيكية، حين تحولت مناطق واسعة بعد إخلائها إلى ساحات مفتوحة للتدمير المنهجي للبنية العمرانية والخدماتية.

وفي هذا المشهد القلق، يبرز البُعد الإنساني بوصفه الأكثر إلحاحاً. فمصير مئات آلاف المدنيين الذين يعيشون في هذه الأحياء لا يمكن أن يبقى رهينة الحسابات العسكرية في معركة مفتوحة على شتى الإحتمالات، ولا يمكن النظر إليه كتفصيل ثانوي في صراع مفتوح. إن حماية المدنيين ومنع تحول الضاحية إلى مسرح كارثة إنسانية جديدة يجب أن يكون أولوية ملحة عند من يعنيهم الأمر حزبياً ورسمياً، ليس فقط لأسباب إنسانية بحتة، بل أيضاً لأن انهيار الاستقرار الاجتماعي في هذه المنطقة الحساسة سيترك انعكاسات خطيرة على مجمل الوضع اللبناني.

لهذا تبدو اللحظة الراهنة شديدة الحساسية، حيث يقف لبنان أمام احتمال خطير يتمثل في انتقال الحرب من حدودها التقليدية إلى العاصمة ومحيطها السكاني. وبين لغة الإنذارات العسكرية وصوت الطائرات والغارات، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: هل يترك حزب الله  مئات آلاف المدنيين لمصير نزوح قاسٍ، وتصعيد عسكري متزايد يؤدي إلى فصل جديد من الدمار، أم يفتح الباب أمام الجهود السياسية والدبلوماسية لتجنب انزلاق الضاحية، ومعها لبنان، إلى مصير يشبه ما شهدته غزة التي تختصر بشاعة الكابوس الذي يعيشه الكثير من اللبنانيين هذه الأيام؟