توأم إسرائيل وإيران... و"المناطق التجريبية"

الأمر واضح للغاية: إيران تبيع "الثنائي الشيعي" أوهاماً بالنسبة إلى قدرتها على فرض الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب، وهو يعرف ذلك جيداً لكنه يشتري، بل يعرف أن إيران تعرض عليه مزيداً مما شهده خلال عامين متتاليين: قصف واجتياح وقتل وتهجير ودمار واحتلال... لكنه يشتري. لماذا؟ أمِن أجل "المقاومة"، وقد ظهرت حدود قدراتها ونتائجها؟ أو لأن سلاح "حزب إيران" يسوّغ له "مشروع" الاستحواذ على الدولة؟ أو لأنه بات أسير هذا السلاح ولو دفعه "المشروع الإيراني" إلى الانتحار، أو إلى تقويض الكيان اللبناني وهدم أركان الدولة؟

قيل الكثير عن "البيئة" الحاضنة للحزب، ويقال القليل عن البيئة الحاضنة لـ"الحركة"، ولا يبدو أن "الثنائي" يأخذ في الاعتبار ما أراده شعبه حقاً منذ 8/10/2023 حتى 02/03/2026 ولا ما يريده الآن مع استئناف الحرب الأميركية - الإيرانية واحتمال أن يبحث الحزب عن فتوىً تبرّر عودته إلى "الإسناد".
لا شك في أن "البيئة" تدعم "الثنائي"، بحكم الانتماء الطائفي، لكنها في مختلف الأحوال لا تراه بديلاً من الدولة. لعلها أيقنت الآن أنه يغامر بها وبمستقبل أبنائها وليس في مستطاعه أن يعيد إليها أملاكها وأرزاقها ولا أن يعدها بالعودة إلى مواطنها، إذ إنه هو نفسه يطالب الدولة بعودة النازحين وإعادة الإعمار، ومع ذلك فإنه لن يمتنع- إذا جاء الأمر من طهران- عن أي مغامرة تضاعف حجم المآسي والدمار والخسائر. الواقع أن "البيئة" تتساءل، قبل سواها، لماذا يلحّ "الثنائي" على الدولة كي تلتحق بـ"مسار إسلام آباد"، مع أن إيران نفسها تشكو من انهياره؟ 

 إذا كان الخيار بين الولايات المتحدة وإيران، فأيّهما تختار الدول اللبنانية كي تساعدها على وقف الحرب وإنهاء الاحتلال؟ وإذا كان الخيار الأميركي مفتوحاً على احتمالات إيجابية (حتى لو كانت نظرية) لمعالجة الأزمات التي غرق فيها لبنان، فما الذي يمكن الخيار الإيراني أن يقدمه؟ صحيح أن أميركا ليست "الوسيط" المضمون أو الموثوق به، خصوصاً حين تكون إسرائيل في كفة وأيّ طرف آخر في كفة، لكنها تُظهر على الأقل ما يظهره اللبنانيون من حرص على مرجعية الدولة وجيشها كعنوانٍ لوجود الكيان اللبناني وبقائه. أما إيران فبرهنت على الدوام، وفي كل تدخّلاتها الإقليمية، أنها مشروع تخريب للدولة ومؤسساتها، وباتت توأم إسرائيل في تسميم أجواء المنطقة والعمل على تقويض أمنها واستقرارها. أصبح الاعتماد على إيران مساوياً للاعتماد على إسرائيل، فكلتاهما تتجاهلان الشعوب وطموحاتها للعيش في سلام.
قد يكون الرهان على "المناطق التجريبية" مبالغاً فيه لكنه الوحيد المتاح حالياً، ويمكن البناء عليه في حال نجاحه، فمن له مصلحة في فشله؟ بالأحرى في إفشاله؟ إسرائيل تتعامل مع خطّة "المناطق التجريبية" على أنها اختبارٌ تعجيزي وستكثّف الشروط كي لا تعترف يوماً، حتى لو اعترف الجانب الأميركي بأنها بدأت تخسر مبرّر الاحتلال وتضطرّ إلى الانسحاب، ولو تدريجاً. أما إيران و"حزبها" فلم يُبديا أي استعداد لإعطاء هذه التجربة أي "فرصة"، ففي ذلك مسؤولية تجاه لبنان واللبنانيين، لكنهما غير معنيين إلا بالحفاظ على ساحة قتال، حتى لو كان هذا القتال استدعاءً للاحتلال، والاحتلال يمدّ بعمر "المقاومة"... وبهذه العقلية تريد إيران اللعب بـ"ورقة" لبنان.