المصدر: النهار
الكاتب: عقل العويط
الاثنين 1 حزيران 2026 07:25:56
أكتب ما يأتي: تُعاش الحياة الفرديّة والجماعيّة للبنانيّين تحت سنابكِ توحّشَين يجثمان على صدر البلاد والناس، من خارج ومن داخل: إسرائيل من الخارج نموذجًا، وإيديولوجيا الشهادة والانتحار والموت في الداخل، "حزب الله" نموذجًا.
لا بدّ من قول الأمور كما هي: هاتان جحيمان يجب الخروج منهما على الفور. لم يعد ثمّة قدرةٌ للبنان على تحمّل وزرَيهما، بصرف النظر عن معنى كلٍّ منهما، وعن الفوارق العضويّة بينهما.
يمضي المرء عمره في التنقيب عن المعنى تحت وطأة هذين التوحّشَين - الجحيمَين، واختبار اللغة حتى أقاصيها، والرهان على المخيّلة، لكنّه يخسر هذا الرهان/الحلم، مصلوبًا أمام جدارٍ أصمّ لا يستجيب للحدس، ولا للرؤيا، ولا حتّى لذلك العناد الداخليّ، وقد كان يكفي سابقًا لفتح شقٍّ صغير في العتمة. لكأنّ الإقامة الجحيميّة هذه باتت لا ظرفًا تاريخيًّا عابرًا، بل بنيةً كاملة، ونظامًا من الانسداد، وآلةً لإطفاء كلّ نافذة.
ما يعيشه الكائن الفرد ليس عجزًا عن الرؤية، بل فرطٌ في الرؤية. فهو لا يبحث عن بصيصٍ تجميليّ، ولا عن عزاءٍ بلاغيّ، إنّما يحفر بحثًا عن منفذٍ حقيقيّ، وشرخٍ أنطولوجيّ في الجدار.
هنا تكمن مهمّة الكتابة: ليس أنْ تتظاهر بأنّها ترى ضوءًا غير موجود، بل أنْ تكتب هذا الانسداد نفسه، وتمنحه لغته القصوى. فحين تبلغ الكتابة ذروة تسمية العتمة، تصير هي نفسها الثغرة الأولى فيها. وهذا يكاد يكون مفتتحًا لنصٍّ عظيم، حيث الاحتكاك القاسي بين سيرةٍ كاملة من الشغف بالحياة والشعر والأنسنة والأمل والحرّيّة، وبين واقعٍ يرفض أنْ يتصدّع. فأيّ أسىً يجتاح كائنًا أفنى ثلثَي العمر في التنقيب عن اللمعة الشعريّة واللقيا الإنسانيّة، وفي الحفر داخل طبقات الحلم والتخييل، حين لا يعود يعثر على شقٍّ واحدٍ يرشح منه قليلٌ من ضوء، في هذا الحائط الأبديّ الأعمى؟
هذا اختبارٌ أخير لقدرة الحياة/اللغة على مواجهة العدم، من خلال ملامسة طبقةٍ أعمق من الألم؛ ألم العزلة الوجوديّة داخل جماعات، وأنْ تكون محاطًا بالناس، بالتاريخ، بالأصوات، بالضجيج، وتشعر بأنّكَ في منفى داخل منفى. فالفجيعة يمكن احتمالها إذا تقاسَمها وعيٌ جمعيّ، لكنّ الأشدّ وطأة أنْ تدرك أنّ ما يحيط بكَ ليس فقط خرابًا، بل نظامٌ كاملٌ من الرضا الضمنيّ به؛ هذا التواطؤ العميق مع القيد، هذا التعلّق الغامض بالشرنقة، لا بوصفها مأوًى مؤقّتًا، بل بوصفها هوّيّةً ومصيرًا ولذّةً خفيّة. ثمّة شيءٌ بالغ القسوة في اكتشاف أنّ الجماعات لا تعود مجرّد انتماءٍ قسريّ، بل تتحوّل إلى شهوة: شهوة الانغلاق، شهوة تكرار الخطأ والانتحار والموت، شهوة إعادة إنتاج الذات نفسها، لأنّ الخروج إلى الفضاء الأوسع يستلزم مخاطرة الحرّيّة، والحرّيّة مرهقة، مكلفة، وتقتضي قطيعةً مع يقينٍ موروث. هذا ما يضاعف الشعور بالمنفى. فأنتَ لا تواجه جيشًا من الظلاميّة القطيعيّة فقط، بل من التلذّذ بالانحباس. ومَن يستطيب قيده يقاوم خلاصه.
الأفدح من الفجيعة، والأدهى من الوعي بها، الشعور بأنّكَ وبلادكَ وحيدان في خضمّ هذه القبائل الأبديّة، الممعنة في قبليّتها، العاجزة عن الانفلات من حبائل شرنقتها، بل المستبطنة، في عمقها المعتم، لذّةً دفينةً في الإقامة داخلها، وتُضمر افتتانًا سرّيًّا بعبوديّتها وقطيعيّتها، وتستمدّ من انغلاقها لذّةَ البقاء ومعنى الوجود.
الآن، وقبل السقوط الأبديّ في التهلكة، فلنملك الشجاعة الأدبيّة للاعتراف بعجزنا التاريخيّ البنيويّ عن (إدارة) الخروج من التوحشَّين - الجحيمَين. وفي الاعتراف هذا، لا مفرّ من وقف المقتلة المجّانيّة، وتحييد لبنان؛ أذلك بإرادةٍ دوليّةٍ جماعيّة، أبوضع اليد الأمميّة، أم بفصلًٍ سابع، و/أو بسواه. لا بدّ من ذلك.