المصدر: نداء الوطن
الكاتب: داود رمال
السبت 28 آذار 2026 07:33:44
في ظلّ استمرار الحرب الدائرة على الساحة اللبنانية، لا تبدو أيّ مؤشرات جدية على اختراق فعلي في مسار التفاوض نحو وقف شامل للأعمال العسكرية أو نحو تسوية متكاملة بين لبنان وإسرائيل. المعلومات المتداولة في الأوساط السياسية والدبلوماسية تشير بوضوح إلى أن المشهد التفاوضي لا يزال في حال جمود شبه كامل، حيث لم يسجل أيّ تقدّم نوعيّ، فيما تقتصر التحرّكات الدولية على إدارة الأزمة ومحاولة منع توسّعها أكثر ممّا تهدف إلى إنهائها بصورة حاسمة.
في هذا السياق، يبرز الحراك الفرنسي بوصفه الأكثر نشاطًا على المستوى الأوروبي، وإن كان حتى الآن يفتقر إلى إطار مبادرة متكاملة أو خطة واضحة المعالم. الفرنسيون، وفق المعطيات، يطرحون أفكارًا عامة تتمحور حول ثلاثة محاور رئيسية: أولها، كيفية مساهمة باريس في الورشة التفاوضية التي فتحها لبنان مع الولايات المتحدة الأميركية للتفاوض المباشر مع الإسرائيليين، وثانيها، إعادة تقييم انطباع سابق لدى دوائر فرنسية عن وجود توتر حدودي لبناني ـ سوري، وهو انطباع تبيّن بعد الاتصالات أنه غير دقيق ولا يعكس واقع الحال، وثالثها، تعزيز الدور الإنساني الفرنسي في ظلّ اتساع رقعة الأضرار والنزوح. وقد تولّى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون متابعة هذا الملف شخصيًا، إذ تشير المعلومات إلى أنه أثار المسألة مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في إطار محاولة دفع واشنطن إلى مقاربة أكثر مرونة.
وتكشف القراءة الفرنسية، كما تنقلها الأوساط المعنية، تبنيًا كاملًا للموقف اللبناني القائم على رفض معالجة ملف سلاح "حزب اللّه" من خلال الحرب أو عبر سياسة التدمير الشامل، مع استحضار نموذج غزة كدليل على محدودية جدوى الخيار العسكري، حيث لم تؤدِ العمليات العسكرية الواسعة والممتدّة زمنيًا إلى إنهاء وجود حركة "حماس". وفي هذا الإطار، يبرز الرهان الفرنسي على الطرح الذي قدّمه رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون خلال اجتماعات الاتحاد الأوروبي، باعتباره المدخل الوحيد القابل للبناء عليه لتفكيك الأزمة تدريجيًا، ما يفسّر تكثيف الاتصالات بين ماكرون وعون، وكذلك بين الأخير وعدد من القادة الأوروبيين.
لبنان من جهته، طلب صراحة من باريس العمل على حشد موقف أوروبي موحّد أو واسع يدعم رؤيته للحلّ، وقد بدأت فرنسا بالفعل تحريك هذا المسار، غير أن ترجمة هذا الحراك إلى ضغط فعلي على إسرائيل أو إلى ضمانات عملية ما زالت موضع اختبار. وفي المقابل، تبدو الولايات المتحدة حاضرة بقوة في المتابعة اليومية، خلافًا لما يُشاع عن تراجع اهتمامها. فالاتصالات الأميركية مستمرّة بوتيرة شبه يومية، ما يعكس إدراك واشنطن لحساسية الساحة اللبنانية وخطورة انزلاقها نحو مواجهة أوسع.
إلّا أن العقدة الأساسية تبقى في جوهر المقاربة التفاوضية نفسها. فالإدارة الأميركية لا تزال تنقل وجهة النظر الإسرائيلية التي تقوم على مبدأ "التفاوض تحت النار"، أي استمرار العمليات العسكرية بالتوازي مع المسار التفاوضي. في المقابل يتمسّك لبنان بموقف معاكس بالكامل، يقوم على رفض إرسال أي وفد تفاوضي في ظل استمرار القصف، مطالبًا بضمانة أميركية مسبقة بأن يؤدي الذهاب إلى التفاوض إلى إعلان هدنة فورية منذ الجلسة الأولى، على أن يجري بعد ذلك البحث في جدول الأعمال التفصيلي للتسوية. وحتى اللحظة، لم يتلق لبنان جوابًا واضحًا أو نهائيًا على هذا الطلب.
وبين هذين المنطقين المتناقضين، يتكرّس واقع تفاوضيّ معلّق؛ حرب مستمرّة من دون أفق حسم عسكري سريع، ومفاوضات قائمة من دون شروط انطلاق سياسية وأمنية متفق عليها. وفي هذا الفراغ، يتحوّل الدور الدولي إلى إدارة المخاطر أكثر من صناعة الحلول، فيما يبقى الميدان العامل الأكثر تأثيرًا في تحديد توقيت الانتقال من مرحلة الضغط بالنار إلى مرحلة التسويات على الطاولة.