المصدر: Kataeb.org
الكاتب: فرنسوا الجردي
السبت 22 آب 2026 20:16:07
لم تكن زيارة رئيس الجمهورية اللبنانية العماد جوزاف عون إلى حاضرة الفاتيكان مناسبة عادية، ولا مجرّد محطة بروتوكولية يمكن اختزالها بتعليق ساخر عن الدبابات والجيوش. لذلك، فإن محاولة اللواء جميل السيد الاستهزاء بالزيارة عبر القول إن البابا لا يملك دبابات، تكشف عن قراءة ضيقة لمعنى القوة، وكأن النفوذ في عالم اليوم لا يُقاس إلا بعدد المدرعات والصواريخ والطائرات الحربية.
وهنا لا بد من التذكير بحقيقة بسيطة: ليس كل من يملك دبابات يملك القوة، وليس كل من لا يملك جيشاً يفتقر إلى التأثير.
فالبابا، رأس الكنيسة الكاثوليكية وقائد الفاتيكان الروحي، لا يحتاج إلى الدبابات كي يُسمع صوته. قوته ليست عسكرية، بل هي قوة روحية وأخلاقية وإنسانية، وقوة دبلوماسية ناعمة امتدت عبر القرون، وجعلت من الكرسي الرسولي مرجعاً حاضراً في القضايا الدولية الكبرى، من الحروب إلى السلام، ومن النزاعات إلى المصالحات، ومن الدفاع عن الشعوب إلى حماية كرامة الإنسان.
الدبابات تهدم... والكلمة تبني
كم من دولة امتلكت جيوشاً جرارة، ثم سقطت وانتهى نفوذها؟ وكم من قائد امتلك ترسانة من الأسلحة، لكنه عجز عن امتلاك احترام شعبه أو ثقة العالم؟
في المقابل، استطاعت كلمة أخلاقية صادقة أن توقف حروباً، وأن تفتح أبواب الحوار، وأن تجمع خصوماً حول طاولة واحدة. فالقوة العسكرية قد تفرض واقعاً مؤقتاً، لكنها لا تستطيع دائماً أن تفرض سلاماً دائماً. أما القوة الأخلاقية، فإنها تخاطب ضمير الإنسان قبل حساباته، وتصل إلى ما لا تصل إليه فوهة المدفع.
الفاتيكان لا يملك دبابات، نعم. لكنه يملك سلطة معنوية يصعب على كثير من القوى العسكرية امتلاكها. لا يملك قواعد عسكرية منتشرة في العالم، لكنه يملك حضوراً دبلوماسياً وروحياً في مختلف القارات. ولا يهدد الشعوب بالسلاح، بل يدعو إلى السلام والمحبة والمصالحة واحترام الإنسان.
وهذه، يا سيادة اللواء، ليست علامة ضعف.
هذه قوة من نوع آخر.
بل ربما هي القوة التي يحتاج إليها العالم أكثر من أي وقت مضى.
ماذا يريد لبنان من الفاتيكان؟
لبنان، الذي يعاني من أزمات سياسية واقتصادية وأمنية ووجودية، لا يذهب إلى الفاتيكان بحثاً عن دبابة أو طائرة مقاتلة. رئيس الجمهورية لا يزور البابا ليطلب من الحرس السويسري خوض حرب عن لبنان.
إن زيارة رئيس الجمهورية إلى الفاتيكان هي رسالة سياسية ووطنية ودبلوماسية في آن واحد. لبنان بحاجة إلى تثبيت حضوره في المحافل الدولية، وإلى إعادة وضع قضيته على طاولة القوى المؤثرة، وإلى التأكيد أن هذا البلد ليس مجرد ساحة لصراعات الآخرين.
كما أن للفاتيكان مكانة خاصة تجاه لبنان، ليس فقط بسبب الوجود المسيحي فيه، بل بسبب خصوصية لبنان التاريخية كبلد للتعددية والعيش المشترك والحوار بين الأديان والثقافات.
وعندما يزور رئيس الجمهورية اللبنانية الفاتيكان، فهو يحمل معه قضية وطن كامل: قضية السيادة، والاستقرار، والسلام، والوجود اللبناني، وحق اللبنانيين في أن يعيشوا في دولة طبيعية لا تحكمها الحروب الدائمة ولا المغامرات العسكرية المفتوحة.
لبنان لا يحتاج إلى مزيد من الدبابات... بل إلى من يمنع وصولها إلى أرضه
ربما كان الأجدر بمن ينتقد زيارة رئيس الجمهورية إلى الفاتيكان أن يسأل نفسه سؤالاً أكثر عمقاً: ماذا جلبت كثرة السلاح والدبابات والصواريخ إلى لبنان خلال العقود الماضية؟
هل صنعت دولة قوية؟
هل ثبتت الحدود؟
هل حمت الاقتصاد؟
هل منعت الحروب؟
هل أعادت الشباب اللبناني إلى وطنه؟
هل منعت الهجرة؟
أم أن لبنان دفع، في كل مرة تحوّل فيها إلى ساحة عسكرية، أثماناً باهظة من دم أبنائه واقتصاده ومستقبله وسيادته؟
إن الشعوب المتعبة من الحروب لا تسخر من دعاة السلام. الشعوب التي دفنت أبناءها تحت الأنقاض لا تعتبر الدعوة إلى الحوار ضعفاً. والأوطان التي أنهكتها الصراعات تحتاج إلى كل صوت يستطيع أن يساهم في إبعاد شبح الحرب عنها.
من هنا، فإن التواصل مع الفاتيكان ومع كل القوى الدولية والروحية المؤمنة بالسلام ليس ترفاً دبلوماسياً، بل واجب وطني.
قوة البابا في أنه لا يحتاج إلى دبابة
إن عظمة البابا والفاتيكان تكمن تحديداً في أنهما لا يحتاجان إلى القوة العسكرية كي يكون لهما تأثير.
الدبابة تستطيع أن تسيطر على أرض، لكنها لا تستطيع أن تفرض محبة.
والصاروخ يستطيع أن يدمر مدينة، لكنه لا يستطيع أن يبني ثقة.
والبندقية تستطيع أن تسكت صوتاً، لكنها لا تستطيع أن تصنع سلاماً.
أما الكلمة الصادقة، والموقف الأخلاقي، والدعوة إلى المصالحة، والتمسك بكرامة الإنسان، فهي أسلحة لا تنفد ذخيرتها ولا تحتاج إلى ميليشيا لحمايتها.
لذلك، فإن القول إن البابا لا يملك دبابات لا ينتقص من قيمة البابا، بل قد يكون أفضل توصيف للفارق بين قوة السلاح وقوة الضمير.
فالتاريخ لا يذكر فقط من ربح المعارك، بل يذكر أيضاً من منعها.
ولا يكرم فقط من امتلك القوة، بل من استخدم نفوذه لإنقاذ الإنسان.
إلى اللواء جميل السيد: القوة ليست بندقية فقط
يا لواء جميل السيد، من حقك أن تنتقد زيارة رئيس الجمهورية، وأن تختلف مع خياراته السياسية والدبلوماسية. فالاختلاف حق مشروع في نظام ديمقراطي.
لكن السخرية من الفاتيكان لأن البابا لا يملك دبابات تعني اختزال مفهوم القوة في بعدها العسكري فقط، فيما العالم أكثر تعقيداً واتساعاً من هذا المنطق.
البابا لا يملك دبابات، صحيح. لكنه يملك كلمة يسمعها الملايين.
لا يملك صواريخ، لكنه يملك منبراً أخلاقياً يصل إلى قادة الدول.
لا يقود ميليشيا، لكنه يقود وجداناً روحياً واسعاً.
لا يهدد الشعوب، بل يدعو إلى حمايتها.
وهنا يكمن الفارق الجوهري بين من يعتبر القوة قدرة على التدمير، ومن يفهم أن القوة الحقيقية هي القدرة على التأثير والبناء وصناعة السلام.
إن رئيس الجمهورية جوزاف عون، بزيارته إلى الفاتيكان، لا يتخلى عن مسؤولياته الوطنية ولا يستبدل الجيش اللبناني بالدبلوماسية. فالجيش يحمي الأرض، والدولة تبني المؤسسات، والدبلوماسية تحمي المصالح وتفتح الأبواب، والعلاقات الروحية والأخلاقية تعزز حضور لبنان وقضيته في العالم.
الأوطان تحتاج إلى جيش قوي، نعم. لكنها تحتاج أيضاً إلى أصدقاء، وإلى دبلوماسية، وإلى كلمة سلام، وإلى مكانة دولية.
ولعل لبنان، الذي عرف الحروب أكثر مما عرف الاستقرار، يحتاج اليوم إلى أن يفهم الجميع أن الدبابة ليست الحل الوحيد، وأن من أعظم الانتصارات أن تنجح في تجنيب شعبك الحرب قبل أن تضطر إلى خوضها.
البابا لا يملك دبابات يا لواء... لأنه يملك ما هو أبقى من الدبابات: قوة الضمير، وهي القوة التي لا تستطيع كل دبابات العالم إسكاتها