المصدر: المدن
الكاتب: حسن فقيه
الأربعاء 29 نيسان 2026 10:23:50
هل يسعى الاحتلال للبقاء في جنوب لبنان، وجعل ما يسمّيه "الخط الأصفر" منطقة أمنية تخضع لسيطرته على نحو دائم؟
لا يبدو ذلك واقعياً بالمعنى التقليدي للاحتلال المباشر، إذ تدرك إسرائيل كلفة البقاء العسكري المفتوح وأثمانه السياسية والأمنية. غير أنّ السؤال الأعمق هو: هل حقّقت إسرائيل ما تصبو إليه منذ 7 تشرين الأول 2023 في المنطقة الحدودية مع لبنان؟ الجواب يميل إلى "نعم" من زاوية مختلفة. فمن يعرف قرى الشريط الحدودي، كيف كانت وكيف أصبحت، يدرك أنّ ما جرى ليس مجرد عمليات عسكرية متفرقة، بل تنفيذ لخطة عملياتية ممتدة على مدى عامين ونصف العام، عنوانها إعادة تشكيل الجغرافيا الحدودية، لا السيطرة التقليدية عليها.
فالمنطقة الحدودية تكاد تكون الوحيدة التي لم تعرف هدنة بالمعنى الفعلي للهدنة. وعندما نتحدث عنها، فإننا نعني عشرات القرى التي لم تعد صالحة للحياة. هنا، لا بد من طرح السؤال: ما هي هذه القرى، وماذا يدور فيها الآن؟
ثلاثة قطاعات على خط النار
القرى الحدودية موزعة على ثلاثة قطاعات. في القطاع الغربي، من الناقورة حتى صور: الناقورة، علما الشعب، الضهيرة، طير حرفا، الجبّين، شيحين، أم التوت، البستان، يارين، مروحين، وشمع.
وفي القطاع الأوسط، أي قرى قضاء بنت جبيل: رامية، عيتا الشعب، القوزح، دبل، عين إبل، بنت جبيل، بيت ليف، كونين، مارون الراس، يارون، عيترون، وحانين.
أما في القطاع الشرقي، مرجعيون والعرقوب: ميس الجبل، حولا، مركبا، العديسة، كفركلا، رب ثلاثين، الطيبة، دير سريان، بني حيان، بليدا، والقنطرة.
وهناك، بطبيعة الحال، المزيد من القرى التي باتت تحت القبضة الإسرائيلية. هذه القرى تُعرف تاريخياً بـِ "قرى المواجهة" أو "الشريط الحدودي"، وكانت دائماً في قلب الصراع، لا سيما خلال مرحلة ما عُرف بـِ "الشريط الحدودي المحتل" قبل عام 2000.
هاجس التهجير الدائم
اليوم، وبعد ما جرى على مدى السنوات الثلاث الماضية، يعيش سكان هذه القرى هاجساً وجودياً حقيقياً: ألّا تكون هناك عودة. الخشية لم تعد محصورة بالدمار، بل باتت مرتبطة بمصير جغرافي سياسي يشبه مصير القرى السبع، أو بتحويل المنطقة إلى شريط عازل، أو حتى إلى منطقة اقتصادية ذات طابع خاص، بما يؤدي عملياً إلى تهجير دائم ومقنّع. فهذه المرحلة لا تشبه ما سبقها، لا في الاجتياحات ولا في الحروب التقليدية، بل تحمل ملامح إعادة رسم واقع حدودي جديد.
عيترون: شهادة على محو بلدة كاملة
في هذا السياق، يروي "أ.أ"، ابن بلدة عيترون، شهادته قائلاً: "لا أحد يتحدث عمّا جرى في عيترون. البلدة كبيرة جداً، ولم يبقَ منها ربما أكثر من عشرة في المئة، وحتى هذه النسبة غير صالحة للسكن". ويضيف: "نشتري بشكل شبه يومي صوراً جوية لنطّلع على وضع البلدة. الحارة القديمة دُمّرت خلال فترة الإسناد، وبعد حرب أيلول والهدنة، استكمل العدو هدم ما تبقّى".
وبحسب روايته، فإن الجيش الإسرائيلي لم يكتفِ بالتفجير، بل اعتمد سياسة الجرف المنهجي، إلى جانب سرقة محتويات المنازل وإحراقها: "ترى جندياً يحمل سجادة، أو خزانات مياه… عشرات الخزانات التي كانت تملكها عائلتنا سُرقت".
المشاهد الجوية للبلدة تُظهر واقعاً قاسياً: قرية منكوبة بالكامل، غير صالحة للحياة في مدى زمني غير معلوم. ويختصر ابن عيترون المشهد بعبارة تحمل دلالتها الثقيلة: "عيترون كبيرة جداً… ولم يبقَ فيها شيء".
بنت جبيل: استهداف الرمز قبل الحجر
إلى جانب عيترون، تقف بنت جبيل، بوابة المقاومة والتحرير، كحالة رمزية أخرى. هذه المدينة التي ارتبط اسمها بخطاب "بيت العنكبوت" لا تزال حاضرة في الوعي الإسرائيلي السياسي والعسكري. لم يكن استهدافها عسكرياً فحسب، بل حمل طابعاً انتقامياً واضحاً، استُحضر فيه التاريخ والخطاب والرمزية.
يقول "ح.ب": "الحرب شيء، وما جرى في بنت جبيل شيء آخر. ما شاهدناه أشعل الغضب في صدورنا، وكأنه انتقام يجري في ظل صمت". ويضيف: "ثلاث دقائق من التصوير الجوي الإسرائيلي كانت كفيلة بأن تؤكد محو ملامح المدينة. لم نعد نعرف أحياءنا: صف الهوا، البركة، اللوكس، العوينة، الحارة القديمة". ويختم: "سنعود إلى بنت جبيل حتماً، لكننا نعلم أننا لن نجدها كما كانت".
وفي شهادة أخرى، تقول "ه.ع": "المقاطع المصوّرة خلال المعارك كانت تُلتقط قرب منزلنا. لاحقاً، علمنا عبر الصور الجوية أنه دُمّر بالكامل. مهما قيل، يبقى البيت معادلاً للروح… نشعر بأننا خسرنا حياتنا وذكرياتنا".
بيت ليف: احتراق الأرض والهوية الزراعية
وعلى الخط ذاته، يقول "ح.أ"، ابن بلدة بيت ليف: "احترقت ضيعتنا، زيتوناتنا، أشجارنا المعمّرة. لم يعد قائماً سوى خزان المياه".
وتجدر الإشارة إلى أنّ الجيش الإسرائيلي استقدم شركات مقاولات لتنفيذ عمليات الهدم والجرف، في مؤشر إضافي إلى الطابع المنهجي والمنظم لهذه العملية.
في الخلاصة، القرى المذكورة، وغيرها الكثير، لم تعد مجرد مناطق متضررة، بل تحوّلت إلى مناطق منكوبة بالكامل، غير صالحة للحياة لسنوات طويلة. نحن لا نتحدث عن ترميم أو إصلاح، بل عن إعادة إعمار من الصفر. في القرى الأمامية، لم يعد الناس يعرفون حتى مواقع منازلهم أو حدود أراضيهم، بعدما جُرفت وسُحقت بشكل كامل.
من هنا، يمكن قراءة ما جرى كتحقيق لهدف إسرائيلي أساسي: تدمير المنطقة الحاضنة للمقاومة، باعتبار أنّ هذه القرى تمثّل خط الدفاع الأول وأحد أبرز عناصر القوة الميدانية. وبتدميرها، تخسر المقاومة إحدى أهم أوراقها، سواء من حيث الجغرافيا، أو البنية التحتية، أو العمق الاجتماعي، خاصة أنّ هذه القرى كانت تضم منشآت وقدرات استراتيجية ضمن خطط هجومية سابقة.
سيناريوهات المستقبل: أي عودة ممكنة؟
وعليه، فإنّ التهجير لم يبدأ مع جولة واحدة من القتال، بل هو مسار مستمر منذ عامين ونصف العام. بعض الأهالي عادوا لفترات قصيرة، ثم غادروها مجدداً، لأن الحياة فيها باتت مستحيلة. وهنا يبرز السؤال المركزي: كيف ستعود هذه القرى، وبأي صيغة، في حال انسحاب إسرائيل؟
هل ستعود ضمن نموذج منطقة اقتصادية برعاية أميركية، كما ألمح دونالد ترامب في أكثر من مناسبة؟
هل ستتحول إلى منطقة ذات حضور دولي مكثف، إلى جانب الجيش اللبناني، بهدف ضبط أي نشاط عسكري؟
أم ستعود كما كانت، ببيوتها وأحيائها ونسيجها الاجتماعي؟
ربما يكون الخيار الأخير ممكناً، لكنه يحتاج إلى جيل كامل، وإلى موارد مالية هائلة، لن تأتي من دون أثمان سياسية.
في المحصلة، يقف أهالي القرى الحدودية على عتبة المجهول، يراقبون يومياً تدمير قراهم، ويتمسكون بيقين العودة بعد زوال "الخط الأصفر"، لكن شكل هذه العودة، وتوقيتها، ومعناها السياسي، لا يزال مفتوحاً على كل الاحتمالات.