جورج قسيس ومحاولة تشويه صورة الرئيس الجميّل

في السياسة، قد يكون الاختلاف مشروعًا، وقد تكون المراجعة حقًا طبيعيًا لأي مناضل أو مسؤول سابق، لكن ما ليس مشروعًا هو محاولة تشويه التاريخ الشخصي والسياسي لمن شكّلوا جزءًا من هوية مرحلة كاملة في لبنان، وخصوصًا عندما يأتي ذلك من داخل البيت نفسه.

الضجة التي أثارتها إطلالة جورج قسيس الإعلامية لم تكن بسبب اختلاف في الرأي السياسي، بل لأن الرجل الذي أمضى سنوات طويلة في صفوف حزب الكتائب اللبنانية، وكان من المقرّبين مباشرة من الرئيس أمين الجميّل يوم تولّى رئاسة إقليم المتن الكتائبي، اختار أن يقدّم رواية سياسية توحي وكأنها محاولة ممنهجة للنيل من صورة رجل ارتبط اسمه بمرحلة دقيقة من تاريخ لبنان والحزب.

فجورج قسيس ليس خصمًا تقليديًا للكتائب، ولا شخصية جاءت من خارج التجربة لتنتقدها من موقع سياسي آخر، بل هو ابن هذه المدرسة، ومن الذين قاتلوا في صفوفها، واستفادوا من حضورها الشعبي والتنظيمي والسياسي. ولذلك، فإن أي كلام يصدر عنه لا يُقرأ كخلاف عابر، بل كرسالة سياسية وأخلاقية تطرح علامات استفهام كبيرة حول الدوافع والتوقيت والخلفيات.

الأكثر إثارة للاستغراب أن قسيس كان في مرحلة من المراحل من أشد المدافعين عن الشيخ أمين الجميّل، بل من المحسوبين على خطه السياسي والتنظيمي بشكل مباشر. لكن الرجل خرج لاحقًا من عباءة الشيخ أمين لأسباب لم تُشرح يومًا بوضوح للرأي العام الكتائبي، قبل أن يحاول خوض معركة نيابية في المتن، في خطوة فُهمت يومها على أنها محاولة لإحراج المرشحين الكتائبيين واستقطاب جزء من القاعدة الحزبية التقليدية، قبل أن تنتهي المسألة بتسويات وانسحاب.

ومن هنا، يصبح من الطبيعي أن يتساءل الكتائبيون: لماذا هذا التحوّل؟ ولماذا هذا التصويب المتكرر على أمين الجميّل تحديدًا؟ وهل المسألة مرتبطة بخلاف سياسي فعلي، أم بحسابات شخصية تراكمت مع الوقت وتحوّلت إلى محاولة لكسر صورة تاريخية داخل الحزب؟

فالكتائب اللبنانية، على امتداد تاريخها، لم تُعرف بثقافة التنكر للرموز أو الانقلاب الشخصي على القيادات التي صنعت جزءًا من وجدان الحزب، حتى في أكثر المراحل خلافًا وتعقيدًا. والخلافات داخل الكتائب بقيت غالبًا ضمن إطار سياسي أو تنظيمي، لا ضمن محاولات المسّ بصورة أشخاص حملوا مسؤوليات وطنية كبرى في ظروف استثنائية.

قد يختلف البعض مع خيارات الرئيس أمين الجميّل في مراحل معينة، وهذا حق سياسي مشروع، لكن لا يمكن إنكار أن الرجل قاد لبنان في واحدة من أخطر مراحل الحرب، وحاول الحفاظ على ما تبقّى من مؤسسات الدولة وسط انهيارات إقليمية وداخلية كبرى. كما لا يمكن تجاوز حضوره التاريخي داخل الكتائب، باعتباره أحد أبرز وجوهها السياسية والتنظيمية لعقود طويلة.

لذلك، فإن أي محاولة لتقديم رواية انتقائية عن تلك المرحلة، أو اختزالها بخلافات شخصية أو حسابات متأخرة، لن تُفهم داخل البيئة الكتائبية إلا كنوع من التشويه غير المبرر لمسيرة رجل بقي، بالنسبة لكثيرين، جزءًا أساسيًا من الذاكرة السياسية للحزب.

وفي النهاية، قد يربح البعض لحظة إعلامية أو إثارة سياسية عابرة، لكن التاريخ الحزبي لا يُكتب بردات الفعل، ولا بتصفية الحسابات الشخصية، بل بالمسار الطويل من الالتزام والتضحيات والوفاء. وهذه تحديدًا هي القيم التي قامت عليها الكتائب، والتي لا تزال تعتبر الوفاء للتاريخ والنضال جزءًا من أخلاقياتها السياسية، مهما تبدلت الظروف والخلافات.