المصدر: وكالة الأنباء المركزية
الكاتب: جوانا فرحات
الثلاثاء 21 نيسان 2026 16:32:34
أنظار العالم مصوّبة في الساعات الأخيرة من موعد انتهاء مهلة هدنة وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى والترقب سيّد الموقف. هل من جولة مفاوضات أميركية - إيرانية ثانية اليوم أم تتجدد الحرب وتكون الضربة القاضية على الحضارة الإيرانية كما هدد الرئيس الأميركي دونالد ترامب قبل انطلاق الجولة الأولى من المفاوضات في إسلام آباد؟
الإجابة على هذا السؤال لا تزال في المنطقة الرمادية. لكن ما يمكن حسمه أن لا جولة ثانية من المفاوضات الإيرانية - الأميركية حتى الآن، ولا تمديد للهدنة بل سباق مفتوح بين المسارين. وهذه الخلاصة كشفتها الوقائع الميدانية والسياسية خلال الأيام الأخيرة كما أن المشهد الدبلوماسي لا يزال مشوباً بالغموض على رغم الحديث عن تقدم نسبي في بعض الخطوط العريضة. إلا أن الخلافات الجوهرية خصوصاً حول البرنامج النووي ومضيق هرمز تعطل إمكانية الانتقال إلى جولة ثانية حاسمة.
على مستوى التوقيت، يبدو أن عامل الهدنة يضغط بقوة على الطرفين على رغم الدور والجهد الذي يقوم به الوسطاء وتحديدا باكستان لتمديد الهدنة بصفتها الأقل كلفة مقارنة مع مخاطر فشل المفاوضات، وهذا السيناريو هو الأكثر ترجيحاً أقله لشراء الوقت وإعادة ترتيب أوراقهما: واشنطن لتخفيف حدة شروطها أو إعادة صياغتها، وطهران لتوحيد موقفها الداخلي وتحديد سقف التنازلات الممكنة.
إذا ما قُدّر لجولة تفاوض ثانية أن تنعقد بين إيران والولايات المتحدة، فإن السؤال المحوري لن يكون فقط ما الذي تريده طهران، بل ما الذي لا تزال تملكه من أوراق قوة قادرة على تحسين شروطها؟ فالمفاوضات، بطبيعتها، لا تُدار بالنوايا بل بتوازنات دقيقة بين الضغط والمرونة، وبين ما يمكن التنازل عنه وما يجب التمسك به.
أبرز الأوراق التي لا تزال تملكها إيران يقول الكاتب السياسي خالد زين الدين هي البرنامج النووي نفسه. فعلى الرغم من سنوات العقوبات والضغوط، استطاعت إيران تطوير قدراتها التقنية، خصوصاً في ما يتعلق بتخصيب اليورانيوم وامتلاك بنية تحتية يصعب تفكيكها بسرعة. هذه الحقيقة تمنحها ورقة تفاوضية أساسية: القدرة على التصعيد أو التجميد.
الورقة الثانية تتمثل بمضيق هرمز من خلال سيطرتها بالكامل عليه. لكن محاصرة الولايات المتحدة للموانئ الإيرانية، جمدت حركة التصدير الإيراني التي تصل إلى نسبة 90 في المئة وبات عليها التنازل في هذا الملف.
الورقة الثالثة تكمن في الجغرافيا السياسية والنفوذ الإقليمي. وكما هو معلوم تملك إيران حضوراً مؤثراً في عدة ساحات في الشرق الأوسط، من الخليج إلى بلاد الشام، يمنحها قدرة غير مباشرة على التأثير في استقرار منطقة النفوذ، سواء عبر علاقات سياسية أو عبر قوى محلية حليفة.
ويشير زين الدين إلى احتفاظ إيران بالورقة الأهم وهي حزب الله إلا أن الضغط الأميركي -الإسرائيلي على الحكومة اللبنانية لإجراء مفاوضات بمعزل عن إيران، أسفر عن سحب الورقة من يدها. ويأتي ذلك بعد سحب الورقتين السورية والعراقية من يد إيران واستحالة تحريك الحوثيين في اليمن.
الورقة الرابعة هي تخصيب اليورانيوم وهذه من أوراق القوة التي تمسك بها إيران ويرفض الحرس الثوري التفاوض في شأنها علما أنها تساوم عليه، فإما أن تسلمه لدولة ثانية أو يكون تحت إشراف أميركي - دولي. ويؤكد زين الدين أنه من مصلحة إيران اليوم في موقع متأرجح، الذهاب إلى طاولة المفاوضات.
من نقاط القوة إلى نقاط الضعف وعنها يقول زين الدين "لا يزال الاقتصاد هشاً، ناهيك عن الاحتجاجات الداخلية التي تظهر من حين إلى آخر، كما أن خطر العزلة الدولية يبقى قائماً. من هنا يكمن جوهر التفاوض في كيفية تحويل نقاط القوة إلى أدوات ضغط وتقليل كلفة نقاط الضعف.
في ما خص الولايات المتحدة يؤكد زين الدين انها لن تدخل إلى طاولة المفاوضات من موقع ردّ الفعل، بل محمّلة بحزمة أوراق ضغط ونفوذ تراكمت عبر سنوات من الهيمنة الاقتصادية والعسكرية والدبلوماسية. وكما تمتلك طهران أدواتها، تدرك الإدارة الأميركية أن قدرتها على فرض الإيقاع لا تزال قائمة، وإن كانت أقل حسمًا مما كانت عليه في عقود سابقة.
أولى هذه الأوراق تبقى العقوبات الاقتصادية، التي تشكل العمود الفقري للاستراتيجية الأميركية تجاه إيران. وهذه الورقة ليست فقط أداة ضغط، بل أيضاً أداة تحفيز إذ يمكن تخفيف العقوبات أو رفعها تدريجياً مقابل تنازلات إيرانية ملموسة، ما يجعلها أحد أهم مفاتيح التفاوض.
الورقة الثانية تتمثل في التحالفات الإقليمية والدولية. فشبكة الشركاء الواسعة التي تربطها بعدد كبير من دول الشرق الأوسط وأوروبا، يمنحها ثقلا سياسياً وعسكرياً مضاعفاً.
ثالثاً، التفوّق العسكري والانتشار الاستراتيجي. فالوجود العسكري الأميركي في مناطق حساسة، من الخليج إلى شرق المتوسط، يمنح واشنطن قدرة ردع واضحة. الورقة الرابعة هي القدرة على الشرعنة الدولية أو العزل السياسي. فالولايات المتحدة، بحكم نفوذها في مؤسسات دولية وضمن تحالفاتها الغربية، تستطيع العمل على إعادة دمج إيران في النظام الدولي إذا التزمت بشروط معينة، أو على العكس، تعمل على تكثيف عزلتها إذا فشلت المفاوضات.
في المحصلة، أي جولة تفاوض ثانية تدخلها الولايات المتحدة ستكون ممسكة بالعصا والجزرة في آن معا. من جهة هناك العقوبات التي يمكن التشدد بها أو تخفيفها، وهناك تحالفات يمكن تفعيلها، وقوة يمكن التلويح بها من دون استخدامها. غير أن نجاح هذه الأوراق لا يعتمد فقط على حجمها، بل على كيفية إدارتها في مواجهة خصم بات أكثر خبرة في لعبة الوقت والمساومة.