حراك أميركي وخشية من تدهور الوضع جنوباً.. والهدنة تترنّح

رغم الصعوبات الكبيرة التي تواجه مسار المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية، إلا أنّ الإدارة الأميركية لم تصل بعد إلى مرحلة اليأس، وهي تعمل على مختلف الصعد لحضّ الدولة اللبنانية على المضي قدمًا في خطوات فعلية، على صعيد حصر سلاح "حزب الله" وتعزيز دور الجيش اللبناني لبسط سيطرته على جميع المناطق اللبنانية من جهة، واتخاذ قرار جريء على صعيد المفاوضات مع إسرائيل، يُتوَّج بلقاء رئيس الجمهورية اللبنانية جوزاف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من جهة أخرى.

لكن الواقع والوقائع لا يبشّران بالخير كثيرًا، فبالرغم من حماسة الرئيس الأميركي دونالد ترامب على خط المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية، تنظر مصادر على صلة بوزارة الخارجية الأميركية بريبة إلى ما يجري ميدانيًا في الجنوب اللبناني، حيث يبدو وقف إطلاق النار هشًّا ومترنّحًا، مع اشتداد المواجهات بين إسرائيل و"حزب الله"، وغياب نسبي للجيش اللبناني عن المشهد، ما دفع الإدارة الأميركية إلى إرسال الجنرال جوزاف كليرفيلد، رئيس آلية مراقبة وقف إطلاق النار التي تقودها الولايات المتحدة، للقاء قائد الجيش اللبناني رودولف هيكل.

وتلفت المصادر الأميركية إلى أنّ اللقاء كان استثنائيًا بالفعل، وشهد مباحثات صريحة بين الجانبين، لا سيما لجهة الانتقادات الأميركية التي وُجّهت إلى الجيش وتقاعسه عن اتخاذ تدابير جدية لحصر سلاح "الحزب". وقد حرص هيكل على وضع كليرفيلد في صورة ما أنجزه الجيش مؤخرًا في العاصمة اللبنانية، تحت شعار "بيروت منزوعة السلاح"، من خلال انتشاره الفاعل، وتوقيف حاملي السلاح، ونشر الأمن في مختلف شوارع العاصمة.

ولا شكّ في أنّ كلام هيكل أراح الموفد العسكري الأميركي، كما شملت المحادثات الاتفاق الممدَّد لوقف إطلاق النار، ومدى التزام إسرائيل بوقف استهداف المناطق الواقعة شمال نهر الليطاني، إضافة إلى استعدادات الجيش للانتشار في الجنوب في حال حصول انسحاب إسرائيلي في المستقبل، ترجمة لأي ترتيبات أمنية قد تفضي إليها المفاوضات بين لبنان وإسرائيل. وتشير المعطيات الواردة من واشنطن إلى أنّ حصر سلاح "الحزب" كان حاضرًا في اللقاء، وكذلك حاجات الجيش من مساعدات على مختلف الأصعدة لتمكينه من أداء مهمته كاملة في المستقبل القريب.

وكشفت معلومات أميركية خاصة لـ"المدن" أنّ جوهر اللقاء تركّز على تفعيل أطر التنسيق ضمن لجنة "الميكانيزم"، لا سيما أنّ التطورات العسكرية الميدانية في الجنوب تستوجب ذلك، فضلًا عن وجود ضرورات إنسانية تتطلب تعزيز هذا التنسيق. وأكّدت هذه المعلومات أنّ التنسيق الأمني-الإنساني في الجنوب سيأخذ حيّزًا كبيرًا من عمل لجنة "الميكانيزم" والجيش اللبناني، خصوصًا بعد استشهاد الصحافية آمال خليل في الفترة الأخيرة.

وسيكون للجنة الأمنية المشتركة، التي تضم ممثلين عن الجيش الإسرائيلي، دور كبير في التنسيق مع قيادة الجيش اللبناني عند الحاجة، ولا سيما في ظل التطورات الميدانية المتسارعة.

لكن المعطيات الأميركية الواردة من واشنطن لا تخفي مخاوفها من احتمال تدهور الأوضاع عسكريًا في الجنوب، رغم مساعي ترامب لكبح ردّات الفعل الإسرائيلية، معتبرة أنّ "الحزب" يُمعن في التصعيد، مستخدمًا المسيّرات الانقضاضية المطوّرة، التي قد لا تنتظر إسرائيل طويلًا قبل أن تستهدف مواقع إنتاجها وتخزينها في العمق اللبناني.

ورغم إيجابيات لقاء كليرفيلد-هيكل، إلا أنّه لن يكون كافيًا لتغيير المسار العام لاحتواء التصعيد. وترى مصادر مقرّبة من الخارجية الأميركية أنّ ما يحدّ من النشاط العسكري اليوم جنوب الليطاني هو احترام نتنياهو لرغبة ترامب في تحقيق إنجاز على صعيد المفاوضات بين لبنان وإسرائيل، وطموح الأخير إلى جمع عون ونتنياهو في صورة تاريخية يستثمرها أمام الداخل الأميركي والمجتمع الدولي كثمرة لحربه على إيران.

من جهة أخرى، تؤكّد المعطيات أنّ الإدارة الأميركية تتفهّم حساسية موقع الرئيس عون في الداخل اللبناني وحرصه على الوحدة الوطنية، لا سيما في ظل معارضة "الثنائي الشيعي" لمسار التفاوض المباشر. وقد أوكلت إلى السفير ميشال عيسى مهمة تذليل العقبات الداخلية، فيما جاء بيان السفارة الأميركية الأخير ليحفّز عون وسائر السلطات اللبنانية على التوجّه بشجاعة نحو السلام مع إسرائيل.

ولم يُقفل الباب بعد، رغم موقف عون الحاسم بالامتناع عن لقاء نتنياهو في البيت الأبيض. وتشير المعطيات إلى وجود أفكار أميركية قد تفضي إلى صيغة تسووية، تقوم على لقاء ترامب بكلّ من عون ونتنياهو على حدة، تمهيدًا للقاء مباشر في مرحلة لاحقة، خصوصًا عندما تبلغ المفاوضات مراحل متقدمة كما يرغب عون. لذلك تحرص الإدارة الأميركية على إبقاء الهدنة الهشّة قائمة في الجنوب، لتهيئة المناخ المناسب لهذه المفاوضات.

ولا يبدو أنّ ترامب مستعد للتخلّي عن رهانه على هذه المفاوضات، إذ تشير المصادر الأميركية إلى أنّه يتعامل معها على أنها "مشروعه الخاص"، مدركًا في الوقت نفسه اختلاف أولويات الجانبين اللبناني والإسرائيلي. فالجانب اللبناني يسعى إلى تثبيت وقف إطلاق النار على كامل الأراضي اللبنانية، وانسحاب إسرائيل من الجنوب، وإعادة الأسرى، قبل التعمّق في الملفات الخلافية، فيما يركّز الجانب الإسرائيلي على نزع سلاح "الحزب" أولًا، ثم الانسحاب لاحقًا بعد تثبيت سيطرة الجيش ميدانيًا.

وتؤكّد المصادر أنّ ترامب يسعى إلى استمرار المفاوضات رغم اتساع الفجوة بين الطرفين، وقد يمنح لبنان مزيدًا من الوقت لحسم موقفه، إلا أنّ هذا الوقت ليس مفتوحًا إلى ما لا نهاية، وستبقى الضغوط الأميركية قائمة، حتى في ظل محاولات سعودية لإبطاء اندفاعة عون نحو لقاء نتنياهو في المرحلة الراهنة.

ولا تخفي المصادر المرتبطة بالخارجية الأميركية قلقها من أسلوب التباطؤ اللبناني، الذي قد لا يكون مناسبًا في ظل ظروف أمنية غير مستقرة، إذ إنّ البطء الدبلوماسي مقابل تسارع التطورات الميدانية يزيد من خطر الانزلاق نحو التصعيد. ومع استمرار المفاوضات، يتزايد احتمال انهيار الهدنة تدريجيًا واستئناف الأعمال العدائية، خصوصًا في ظل تصاعد التوتر مع إيران.

وتكشف المعلومات أنّ الجانب اللبناني سيرفع مستوى التمثيل في وفده التفاوضي حتماً، بما يتجاوز مستوى السفراء، في خطوة تهدف إلى إظهار جدّية أكبر، ومنح لبنان الرسمي مزيدًا من الوقت لتخفيف الضغوط. وترى المصادر أنّ استمرار المفاوضات يخدم مصلحة مشتركة أميركية-لبنانية، من خلال الحفاظ على فصل المسارات بين لبنان وإيران.

وخلاصة القول، وفق هذه المصادر، أنّ هناك عينًا أميركية تراقب تحقيق نتائج سريعة في المفاوضات، وأخرى تتابع بحذر الأوضاع الميدانية المتفجّرة في الجنوب. فالمسار التفاوضي الطويل قد يتعطّل أو ينهار بفعل أي تصعيد مفاجئ، كاستهداف مستوطنة شمالية بمسيّرة أو صاروخ، ما قد يستدعي ردًا إسرائيليًا واسعًا، قد لا تتمكّن واشنطن من احتوائه بسهولة.