حراك لافت في بعلبك: الفقر في مواجهة السياسة والشعارات

عاشت محافظة بعلبك - الهرمل عقودًا طويلة تتقدّم فيها السياسة والشعارات على كل شيء. اليوم جاء المشهد مختلفاً ومغايرًا. محاربة الفقر هو العنوان، الإنماء والأمن وحضور الدولة، مطالب أساسية في لقاء حاشد ولافت (قرابة الألفي شخص)، أقامته حركة "قرار بعلبك الهرمل"، بحضور شخصيات سياسية واجتماعية وثقافية، من مختلف قرى وبلدات المحافظة.

مقاربة جديدة.. وقانون انتخاب عادل

اللقاء لم يكن مجرد مناسبة سياسية جديدة، بل شكّل مقاربة مختلفة، ورؤية جديدة  تنطلق من واقع الناس وحاجاتهم اليومية. فمحافظة بعلبك - الهرمل تعاني منذ سنوات من تراجع اقتصادي وفرص عمل محدودة، لذلك تحتاج بحسب المشاركين إلى التخلي عن الشعارات السياسية والعقائدية، وإنتاج مشاريع تربط الأمن بالتنمية، والسياسة ببناء الدولة.

المحامي حسان الرفاعي أكّد، في حديث لـِ "المدن"، أنه يشارك "بصفته مواطنًا بعلبكيًا، وليس مرشحًا انتخابيًا"، داعيًا اللبنانيين إلى تجاوز الخطابات الفئوية والمذهبية، خصوصًا في ظل الأزمات والحروب التي يعيشها لبنان.

وشدّد الرفاعي على ضرورة "بناء دولة مركزية قوية، ورفض مشاريع التقسيم والفدرلة، واعتماد قانون انتخاب يقوم على الدوائر الصغرى والنظام الأكثري". كما دعا إلى تحقيق الإنماء المتوازن وإنصاف المناطق المهمّشة، ومواجهة آفة المخدرات والخطف والجريمة، معتبرًا أن بعلبك -الهرمل يجب أن تكون شريكًا أساسيًا في بناء الدولة. ورأى أن التنمية الزراعية والصناعية والسياحية "هي الطريق إلى مجتمع منتج، يحفظ كرامة أبنائه ويعزز الوحدة الوطنية".

من جهته، ركّز الدكتور طلال المقدسي على أهمية الأمن في المنطقة باعتباره شرطًا أساسيًا لأي نهوض اقتصادي. فالاستقرار وفق المقدسي، لا ينبغي أن يبقى عنوانًا أمنيًا فقط، بل يجب أن يتحول إلى بيئة مناسبة وتربة خصبة لإطلاق حركة تنمية اقتصادية فعلية، تجذب الاستثمار وتوفر فرص العمل وتحريك القطاعات الإنتاجية.

الدولة والقانون والإنماء

وفي مقاربة مباشرة، أكد رئيس "حركة قرار بعلبك" المهندس علي صبري حمادة أن انعقاد اللقاء جاء "رغم نصائح تلقاها بإلغائه لأن الوقت غير مناسب". وقال "نحن لا نخاف أحدًا، ولا نخشى إلا القانون والضمير، ولسنا أتباعًا لهذه الدولة أو ذاك السفير"، في تأكيد على استقلالية الحراك ومقاربته لشؤون المنطقة من خلال حاجيات أهلها لا عبر الاصطفافات التقليدية. ولمن يتغنّى بالقول " لن نسمح بعودة الشيعة ماسحي أحذية وعتالين على البور نقول، اللبنانيون الشيعة كانوا قبل العام 1982 وهم شركاء أساسيون مؤسسون في قيام دولة لبنان".

وأكّد حمادة أن الدولة هي العنوان الجامع لكل الناس، في طروحات هذا اللقاء وغيره. فالمطلوب "قيام دولة قادرة على بسط سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية، وحصرية السلاح بيد المؤسسات الشرعية، وإنفاذ سلطة القانون على جميع اللبنانيين"، بما يعيد تثبيت مرجعية الدولة ويضع الملفات الأمنية والسياسية والاقتصادية ضمن إطارها الطبيعي.

وختم حمادة كلامه، بالتشديد على أهمية "قيام أفضل علاقات الأخوّة وحُسن الجوار مع سوريا، بعيدًا عمّن يحكمها، فذاك شأن السوريين"، علاقات واضحة تنطلق من الجغرافيا والتاريخ والمصالح المستقبلية المشتركة، علاقات تحفظ سيادة لبنان ومصالحه الوطنية.

الخوف آت في الشتاء

أهمية اللقاء لا تكمن فقط في توقيته أو عدد المشاركين فيه، بل في محاولة نقل النقاش في بعلبك - الهرمل من الصراع على النفوذ إلى البحث عن حلول لمشكلات الناس. فالفقر والبطالة وتراجع الحركة الاقتصادية ليست ملفات هامشية، بل عوامل تمسّ استقرار المجتمع، خصوصًا مع اقتراب شتاء يثير مخاوف العوز وارتفاع كلفة المعيشة والتدفئة.

في بعلبك - الهرمل، لا تنقص الناس العناوين السياسية، ولا الصور واللافتات والجداريات، بقدر ما تنقصهم فرص العمل والاستثمار والخدمات والشعور بحضور الدولة. والمعادلة طرحها مشاركون بوضوح: لا أمن دائمًا من دون تنمية مستدامة، ولا تنمية حقيقية من دون دولة، ولا دولة مكتملة من دون سيادة القانون.

يبقى التحدي الأكبر في قدرة "حركة قرار بعلبك الهرمل" على تحويل هذه الصرخة إلى عمل سياسي واجتماعي مستمر، في بيئة غير حاضنة ظاهريًا، لكنها تئن بصمت، وتنتظر حلولًا عملية، حلولاً تضع محاربة الفقر وإطلاق خطط التنمية، في صلب الأولويات تجاه بعلبك وأهلها.