حرب 2026 في لبنان تضاعف خسائر حرب 2024.. ماذا عن كلفة إعادة الإعمار؟

لا تختصر حصيلة أي حرب بأرقام مادية جامدة، من دون الاخذ في الاعتبار الجوانب الانسانية التي تتقدم على كل حساب. كثيرون خرجوا على عجل، بحقيبة خفيفة وأوراق رسمية وصور شخصية، تاركين خلفهم بيوتا تحولت في أيام إلى ركام. قرى وأحياء كاملة باتت غير صالحة للسكن، وتوزع سكانها بين مراكز إيواء وبيوت أقارب. 

ولكن الأرقام صادمة أيضا. فأكثر من 1.1 مليون نازح داخليا، فقدان واسع لمصادر الدخل، تعطل التعليم، وتراجع كبير في الوصول إلى الخدمات الأساسية كالصحة والمياه والغذاء، إلى جانب ازدياد الحاجة إلى الحماية الاجتماعية. ومع اتساع رقعة الأزمة، لم يغط التمويل الإنساني سوى نحو 30% من نداء عام 2026 حتى أوائل نيسان، ما يعني فجوة هائلة بين الحاجات الفعلية والاستجابة. ويقدر أن نحو 40 ألف عائلة على الاقل فقدت منازلها بالكامل، ما يضعها في دائرة تهجير قسري قد يمتد إلى ما بعد وقف إطلاق النار.

أرقام تتضاعف من حرب الى حرب
لم تقتصر خسائر لبنان الناتجة عن حربه مع إسرائيل في عام 2026 على تلك المسجلة في حرب 2024، بل جاءت في سياق إقليمي أكثر تعقيدا، ما ضاعف من تداعياتها الاقتصادية والإنسانية.

في حرب 2024، وبحسب تقارير الأمم المتحدة، قدرت الخسائر اليومية بنحو 225 مليون دولار، فيما تجاوزت الخسائر الاقتصادية المباشرة وغير المباشرة 14 مليار دولار. وقد سجل خلال الشهر الأول وحده نحو 1.7 مليار دولار كخسائر مباشرة وغير مباشرة، في وقت بلغت كلفة الأضرار في البنية التحتية والمباني نحو 3.4 مليار دولار.

كما أدت الحرب حينها إلى تدمير أكثر من 100 ألف وحدة سكنية، وتضرر واسع في المرافق العامة والخاصة، إضافة إلى شلل شبه كامل في القطاعات الإنتاجية، لا سيما السياحة والزراعة والخدمات. وانعكس ذلك مباشرة على الاقتصاد، مع تراجع نمو الناتج المحلي بنحو 6.6 نقاط مئوية، وتفاقم معدلات الفقر.

أما في حرب 2026، فتظهر المؤشرات أن الكلفة مرشحة لتكون أعلى. فقد قدر وزير الاقتصاد عامر البساط كلفة إعادة الإعمار بما يراوح بين 5 و7 مليارات دولار كمرحلة أولية، في حين تشير تقديرات أوسع إلى أرقام أكبر بكثير.

نزوح واسع وتدهور الخدمات
في هذا السياق، يلفت الوزير السابق ناصر ياسين إلى أن الكلفة لا تقاس بالأرقام المالية فقط، بل بالانعكاسات الاجتماعية المباشرة. ويقول إن الحرب الأخيرة أدت إلى “نزوح واسع، وفقدان مصادر الدخل، وتعطل التعليم، وتراجع الوصول إلى الخدمات الأساسية كالصحة والمياه والغذاء، إضافة إلى ازدياد الحاجة إلى الحماية الاجتماعية”.

وبحسب ياسين، يقدر عدد النازحين داخليا بأكثر من 1.1 مليون شخص، فيما لم يتجاوز تمويل الاستجابة الإنسانية 30% من الاحتياجات حتى أوائل نيسان 2026. كما يتوقع أن تكون نحو 40 ألف عائلة قد فقدت منازلها بالكامل، ما يعني استمرار تهجيرها حتى بعد وقف إطلاق النار.

في حرب 2024، تضررت البنية التحتية بشكل واسع، من طرق وجسور وشبكات كهرباء ومياه، إلى جانب تراجع حاد في القطاعات الحيوية. فالقطاع السياحي شهد انهيارا شبه كامل، مع تراجع قدر بنحو 95%، أما القطاع الزراعي انخفض نشاطه بنحو 40%، فيما تراجع النشاط التجاري بنسبة قاربت الـ 60%. 

هذه المؤشرات لم تتحسن في 2026، بل تفاقمت نتيجة طول أمد الأزمة وتوسع رقعتها. ووفق المعطيات الأولية، بلغ عدد المباني المدمرة في الحرب الأخيرة نحو 245 مبنى (كمرحلة أولى من المسح)، فيما تعرضت قرى كاملة في الجنوب لدمار واسع، مع تقديرات تشير إلى تدمير نحو 13 ألف وحدة سكنية بشكل كامل.

من انكماش إلى انهيار أعمق
في 2024، ساهمت الحرب في تعميق الانهيار الاقتصادي القائم منذ 2019، عبر وقف الاستثمارات وتراجع النشاط الاقتصادي وارتفاع معدلات الفقر.

أما في 2026، فيشير ياسين إلى أن الخسائر غير المباشرة تشمل "انكماش الناتج المحلي، وتراجع قطاع السياحة، واضطراب التجارة، وارتفاع كلفة الطاقة، وتفاقم الضغوط على المالية العامة نتيجة انخفاض الواردات". ويتوقع أن يسجل الاقتصاد انكماشا قد يتجاوز 12% خلال العام، مع اتساع العجز المالي.

إذا كانت كلفة إعادة الإعمار بعد حرب 2024 قد قدرت بنحو 11 مليار دولار وفق أرقام البنك الدولي، فإن التقديرات المرتبطة بحرب 2026 تبدو أكثر قتامة. إذ يرجح ياسين أن تتجاوز كلفة إعادة الإعمار بعد الحرب الأخيرة 20 مليار دولار، استنادا إلى حجم الأضرار واتساع رقعتها.