المصدر: المدن
الكاتب: فرح منصور
الخميس 25 حزيران 2026 17:13:57
لم يكن الحريق الهائل الذي إلتهم مستودع هيئة "أوجيرو" في منطقة الدكوانة عصر الإثنين الماضي مجرد حادث عابر أو نتيجة احتكاك كهربائي غامض. إذ بات وفق المؤشرات الميدانية والتحقيقات المتسارعة، أقرب إلى عملية "احراق عمديّ" تهدف إلى طمس معالم "فضيحة" أو "اختلاس منظم من الوزن الثقيل".
دخلت القضية التي شغلت الرأي العام اللبنانيّ نظرًا لأهمية قطاع الاتصالات، مرحلةً حاسمةً مع دخول الأجهزة الأمنية والنخبوية على خط كشف الخلفيات الحقيقية لـ"الدخان الأسود" الذي غطى ساحل المتن الشمالي.
الشعبة تتحرك
في آخر مستجدات هذا الملف، كشف مصدر قضائي لـ"المدن" أن شعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي تسلمت رسميًا وبشكل كامل التحقيقات في حريق المستودع الذي يضم كابلات ألياف ضوئية "فايبر أوبتك" بالغة الأهمية والتكلفة. وجاء تحرك الشعبة بإشارة واشراف مباشر من النيابة العامة المالية التي تبدي حزمًا شديدًا في ملاحقة شبهات هدر أو سرقة المال العام والمنشآت الحيوية التابعة للدولة.
وفقًا للمصدر نفسه، بدأت شعبة المعلومات بأولى خطواتها الإجرائية بالاستماع إلى إفادة حارس المستودع بإشراف النائب العام المالي ماهر شعيتو، في محاولة لرسم خطٍ زمني دقيق للتحركات داخل المنشأة ومحيطها في الساعات والعد التنازلي الذي سبق اندلاع النيران. وكذلك التحقق ما إذا كان هناك أي خرق أمني أو دخول مشبوه لأشخاص غير مخوّلين.
من "الوزارة" إلى "أوجيرو" : ماذا كان في المستودع؟
لعلّ الجزء الأكثر إثارة للريبة في هذا الملف يكمن في التوقيف والوقائع اللوجيستية التي كشفها المصدر لـ"المدن". تعود القصة إلى شهر تشرين الأول العام 2025، عندما قامت وزارة الاتصالات لتسليم المستودع رسميًا لهيئة "أوجيرو". نُظّم في ذلك الحين، محضر بالمنشأة يفيد بأنها تحتوي على "خردة" وآليات متوقفة، وحواسيب معطلة ومستهلكة. لكن، وعلى نحو مفاجئ طرأت تبدلات جوهرية دفعت بالادارة الجديدة لهيئة أوجيرو إلى محاولة تنظيف وحصر موجودات هذا الملف.
سباق مع الزمن: حريق بعد قرار التفتيش
يضيف المصدر القضائي لـ"المدن" أن إدارة هيئة "أوجيرو" طلبت رسميًا يوم الجمعة الماضي إجراء جردة شاملة ودقيقة بمحتويات المستودع، لمعرفة حقيقة ما هو موجود في الداخل ومقارنته بالمحاضر السابقة، والبدء بترتيبات حماية الموقع. ولم تكد تمر عطلة نهاية الأسبوع عن هذا القرار حتى اندلع الحريق الهائل عصر الاثنين أي بعد أقل من 72 ساعة على طلب "الجردة" .
هذا التزامن الصادم، بحسب المصدر يعزّز بقوة فرضية "الافتعال". كما يقود المحققين إلى استنتاج منطقيّ: أشعلت النيران على عجل لسباق الزمن، والهدف الأساسي منها هو إخفاء نقصٍ حادٍ أو عملية اختلاس منظمة لكابلات الألياف الضوئية الثمينة عبر تحويلها إلى رماد يحجب الرؤية عن لجان التفتيش والجرد.
الفصل للعلم الجنائيّ
تنتظر الأجهزة القضائية والأمنية حاليًا الكلمة الفصل التي سيقولها العلم الجنائي. إذ يؤكد المصدر لـ"المدن" أن خبير الحرائق يعكف على معاينة مسرح الجريمة ورفع الأدلة وبقايا المواد لتحديد نقطة انطلاق النيران والمواد المُسهلة للاشتعال إن وجدت، على أن يرفع تقريره الفني والنهائي حول الأسباب خلال الأيام القليلة المقبلة.
يبدو أمام هذه المعطيات المتكاملة، أن حريق "مستودع الدكوانة" يتجاوز حدود الحوادث العشوائية ليفتح صندوقًا أسود جديدًا لقطاع الاتصالات في لبنان. فهل تنجح شعبة "المعلومات" تحت مظلة النيابة العامة المالية لكشف هوية "المستفيدين" الذين حاولوا حرق الأدلة؟ ستكشف الأيام القليلة المقبلة، مع صدور تقرير الخبير والتحقيقات، حتمًا ما إذا كان قطاع الاتصالات قد نجا من تغطية "السرقة بالرماد"، أم أن الفاعلين سيقعون في قبضة العدالة قبل أن يجف حبر التقارير.