المصدر: المدن
الكاتب: رنا البايع
الثلاثاء 18 آب 2026 02:09:17
طُوِيَت يوم أمس الاثنين صفحة الحريق الحرجي، الذي اندلع قبل يومين في بلدة أيطو في قضاء زغرتا، إثر نجاح عناصر الدفاع المدني، بمؤازرة طوافتين للجيش اللبناني وفريق "درب عكار" لمكافحة حرائق الغابات وعشرات المتطوعين، في فرض السيطرة الكاملة على النيران وإخمادها.
ومع انتهاء عمليات الإطفاء والتبريد، باشرت الفرق الفنية مسحاً ميدانياً شاملاً لتقييم حجم الأضرار بدقة؛ حيث كشف لـِ "المدن" مسؤول التدريب ورئيس مركز إقليم جبيل في الدفاع المدني، مخول أبو يونس، أن التقديرات الأولية تشير إلى شمول النيران مساحة جغرافية تصل إلى نحو 50 ألف متر مربع. وأوضح أن حدة الأضرار تفاوتت عبر تلك المساحة، إذ اقتصرت النيران في أجزاء منها على الأعشاب الجافة وجذوع الأشجار دون احتراق غطائها الشجري بالكامل، مشيراً إلى أن التحقيقات العلمية جارية عبر كشوفات متتالية لتحديد أسباب اندلاع الحريق تمهيداً لإصدار التقرير الرسمي.
جاهزية الدولة واستراتيجية وزارة الزراعة
وفي السياق نفسه، أكد قائد فريق "درب عكار"، خالد طالب أن زوال خطر تجدّد النيران بالكامل، موضحاً أن شدة الأضرار عموماً متوسطة، ولم تسجل مستويات مرتفعة إلا في نطاقات ضيقة للغاية.
يجدد حريق أيطو التساؤلات المشروعة حول مدى جاهزية خطط الوقاية والقدرات الميدانية للمواجهة؛ لا سيما أن حرائق الغابات، أيّاً كان سببها، أضحت موسماً سنوياً يمتد من آب حتى تشرين الثاني. فتتحوّل الغابات والأحراج في لبنان مع كل ارتفاع قياسيّ في درجات الحرارة إلى المساحة الأكثر هشاشة أمام نيران تلتهم مئات الهكتارات من الثروة الحرجية.
إذا كان الدفاع المدني يواجه الحريق لحظة اندلاعه، فإن مسؤولية حماية الغابة وتبنّي الاستراتيجيات الوقائية تقع على عاتق وزارة الزراعة باعتبارها القيّم الرسمي على الثروة الحرجية.
وفي حديث خاص لـِ "المدن"، كشف وزير الزراعة نزار هاني عن الخطوط العريضة للاستراتيجية الوطنية لمواجهة خطر الحرائق عبر مسارات تنظيمية، تقنية، وتوعوية.
ووفقه، على الصعيد التنظيمي، أصدرت الوزارة تعميمين أساسيين؛ الأول يتناول آلية إزالة الأشجار المريضة من غابات الصنوبر المثمر جراء التغيرات المناخية والحشرات، والثاني يحدّد للبلديات كيفية تنظيف أحراج الصنوبر البري "الجوي" وتنظيم عملية الرعي لتخفيف الكتل الحيوية والمواد القابلة للاشتعال.
أما ميدانياً وتقنياً، فيتوزّع نحو مئة حارس غابات على مختلف المناطق اللبنانية لمتابعة المهام الرقابية، بالتوازي مع إدخال التقنيات الحديثة كـَ "الدرونز" للرش الجوي ومكافحة الجفاف المسبب لسرعة الاشتعال.
ويشير هاني إلى أن العمل الميداني يعتمد على نشرة يومية يصدرها المجلس الوطني للبحوث العلمية وتُوزع على البلديات لتحديد المناطق الأكثر خطورة بدقة.
لكن الإجراءات الميدانية وحدها لا تكفي، يقول هاني، فالأهمية القصوى هي للتوعية "بالتنسيق والتعاون مع البلديات والدفاع المدني والجيش اللبناني، حول إعطاء الأولوية المطلقة لخطوات الوقاية والحد من اندلاع الحرائق، لأن السيطرة الميدانية وتفادي الأضرار يصبحان أكثر صعوبة وتعقيداً بمجرد اشتعال النيران وتمدّدها". وهنا يأتي دور الحملة التوعوية المركزية المشتركة لوزارة البيئة و وزارة الزراعة، ويُعرض فيها أيضاً بعض الحلقات التلفزيونية وغيرها لتوعية الناس حول الحرائق.
خط الدفاع الأوّل
تتضاعف جهود الوزارة ومسؤولياتها بفعل تحدّيات إضافية فرضتها الاعتداءات الإسرائيلية في الجنوب وما يرافقها من حرق متعمد للغابات والأراضي الزراعية، يوضح هاني، إلى جانب القصف الذي تسبب في اندلاع حرائق في مناطق عدة كالبقاع الغربي، ما يرفع من المنسوب الأمني والبيئي لمخاطر هذا الموسم.
يشكّل عناصر الدفاع المدني الخط الميداني الأول في مواجهة كوارث الحرائق، حيث تصطدم جهودهم على خطوط النار المباشرة بتحديات لوجستية وجغرافية قاسية، بدءاً من صعوبة التضاريس التي تعوق الوصول السريع، وصولاً إلى الشح المزمن في المعدات والآليات. ويزداد الموقف تعقيداً لكون معظم الحرائق تندلع في منحدرات وأودية وعرة يستحيل على الآليات الثقيلة اختراقها، ما يلقي على عاتق فرق الإطفاء عبء الترجل والانتشار السريع في الساعات الأولى المحددة لمسار الحريق، محاولةً تطويق النيران ومنع توسّع رقعتها.
وعن الخطط الميدانية المتبعة لمواجهة هذه المواسم الضارية، يوضح أبو يونس أن الجاهزية أُعلِنت في أعلى مستوياتها في كافة المراكز بناءً على توجيهات المدير العام العميد ريمون خطار. وأشار إلى أن الفرق الميدانية تعتمد على خريطة إنذار مبكر تُحدَّث دورياً كل 24 ساعة داخل غرفة العمليات المركزية، لترصد المناطق الأكثر عرضة لمخاطر الحرائق جراء ارتفاع درجات الحرارة، وعلى ضوئها تُوزَّع القوى وتُرَفَّع حالة التأهب في النطاقات الجغرافية المستهدفة.
ويشدّد أبو يونس على أن نجاح عمليات السيطرة على الحرائق يتوقف على التكامل التام بين الدفاع المدني والجيش والمجتمع المحلي، مؤكداً أن "تدخّل الطوافات العسكرية لا يعني حسم المعركة مع النيران، بل يتطلب استكمال العملية الميدانية بتكاتف الأهالي، سواء عبر تسهيل حركة الآليات وفتح الطرقات، أو المساعدة في سحب الخراطيم وتحديد مآخذ المياه في القرى والبلدات، بما يضمن سرعة الاستجابة ويحمي المصلحة العامة".
خطر حريق أيطو
ساهَم التنسيق الفعّال بين الأجهزة المتخصصة ومساندة فريق "درب عكار" في احتواء الحريق الذي اندلع في بلدة أيطو، محيّداً المنطقة المجاورة عن كوارث بيئية محققة. ولعبت الطبيعة الجغرافية دوراً حاسماً في الحدّ من اندفاع النيران. إذ شكّل الشير الصخري عازلاً خفّف من حدة الرياح الغربية، ما ساهم في إبطاء رقعة الانتشار ونقل النيران باتجاه المرتفعات برفق وتدرج، وفق طالب.
ويضيف: "توزعت جغرافية الحريق بين نطاقات آمنة وأخرى شديدة الخطورة. فبينما حُصرت الجهة الشمالية بحاجز صخري مرتفع والجهة الجنوبية بالطريق العام، بقيت الجهتان الشرقية والغربية مصدر القلق الأكبر، وتحديداً الغربية بسبب اتصالها المباشر بأحراج كثيفة تُضاعف من سيناريوهات التمدد."
ويشير إلى أنّ العقبة الأساسية في عمليات الإطفاء تكمن في تراكم الطبقات السميكة من البقايا العضوية وأوراق الصنوبر داخل التربة، والتي تشكل وقوداً خفياً يحتفظ بالحرارة لفترات طويلة. هذا التحدي يجعل إخماد النيران مكتملاً مشروطاً بضخ كميات ضخمة من المياه لتبريد الأعماق وبناء عوازل شاملة تضمن عدم تجدّد الاشتعال.