حزب الله والعهد والاستراتيجية الدفاعية ثالثهما

تفيد التقارير الواردة إلى لبنان بأن رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو أبلغ الرئيس الأميركي دونالد ترامب باحتمال شنّ حرب واسعة على لبنان، وأن الأخير نصحه بالعدول عن هذه الخطوة، لكنه لم يمنعه من مواصلة ضرباته، إفساحًا في المجال أمام ما قد تنجزه الحكومة في ملف حصرية السلاح. نحن أمام خطوة بالغة التعقيد يرفضها حزب الله، فيما يسلّم العهد بإمكانية حصولها على قاعدة العجز عن منعها.

أياً كانت المواقف، فإن موقف حزب الله حاسم لجهة عدم الدخول في سجال مع رئيس الجمهورية. ففي حديثه المتلفز، لم يقل رئيس الجمهورية جوزاف عون ما لم يكن حزب الله على علم به، إذ شكّلت لقاءاته الثلاثة مع رئيس كتلة الوفاء للمقاومة محمد رعد خلال العام الأول من العهد دليلًا على حوار صريح دار بين الطرفين. لكل من الجانبين مقاربته الخاصة لمسألة السلاح وضروراته، وقد اختلفت هذه المقاربة بعد حرب الإسناد عمّا كانت عليه قبلها. فحجة الردع باتت أضعف، فيما تقدّمت لغة الحوار على منطق السلاح في بعبدا. وفي عامه الأول، غلّب عون لغة الحوار مع حزب الله، ولم تنقطع قنوات التواصل التي حققت نتائج مهمة بفعل التفاهم والتناغم في محطات عديدة. وبين بعبدا وحزب الله علاقة بين طرفين لا يجد أيٌّ منهما مصلحة في الصدام مع الآخر. ويشكّل الانفتاح على حزب الله نقطة قوة للعهد، كما أن العلاقة مع العهد تساهم في إخراج الحزب من عزلته الداخلية، في وقتٍ تناقص فيه عدد حلفائه إلى حد كبير. وقد حقق التعاون نجاحاً في ملف حصرية السلاح جنوب الليطاني، ولن يخرج شمال الليطاني عن هذه القاعدة، وإن ضمن ظروف تعاون مختلفة.

يربط حزب الله حصرية السلاح بحوار حول الاستراتيجية الدفاعية الوطنية، وهو ما تعهّد به رئيس الجمهورية في خطاب القسم، إلا أن العهد المطوق بالضغوط قد لا يجد أن الظروف الداخلية، كما ظروف المنطقة، مهيأة بعد لحوار من هذا النوع. فعلى المستوى الداخلي، يستحيل أن تنجح أي دعوة للحوار حول السلاح أو الاستراتيجية الدفاعية، كما أن حواراً كهذا يستلزم وقتاً قد لا يكون بمقدور لبنان تحمّله في ظل الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة والتغيرات السريعة التي تشهدها المنطقة. في المقابل، تقول لغة العقل باستحالة جمع سلاح حزب يزيد عمره على أربعين عاماً في غضون أشهر، فيما تؤكد تجارب الدول المماثلة، التي يمكن الاستفادة منها، الحاجة إلى الوقت لمعالجة هذا الملف بعيداً من منطق السرعة. كذلك، فإن أي حرب جديدة لن تنهي حزب الله، ولا سيما إذا فكرت إسرائيل في اجتياح بري. 

في عامه الأول، حقق عهد عون خطوات على خط التفاوض، وكان تكليف مندوب مدني منعطفًا مهمًا، فيما لا تزال خطوات أخرى لمعالجة ملف السلاح قيد الدرس بهدوء وترو. وإلى أن تنضج الدراسات، فإن في بعبدا رئيساً لن يوفر فرصة لحماية البلد من خطر الانزلاق إلى الحرب، وهو مستعد لأي اتفاق ينهي المواجهة ويؤمّن الاستقرار لشعبه. وبالشكل الذي جرى فيه تكليف الشخصية المدنية، قد تنطلق ورشة عمل حول ملف السلاح والاستراتيجية الدفاعية الوطنية، إلى جانب ورقة عمل للمفاوضات لا تزال قيد البحث على خط واشنطن بيروت.

حزب الله، الذي سبق أن فوت على نفسه الخوض في نقاش حول استراتيجية الأمن الوطني في العهد الماضي، لن يكون بمقدوره تكرار ذلك اليوم، لاختلاف الظروف المحلية والدولية وموازين القوى، وهو ما يشكل موضع خلاف بينه وبين العهد. ففي حين يصر حزب الله على اعتبار ملف السلاح شأناً داخلياً ويربطه بالاستراتيجية الدفاعية الوطنية، يرى عون أنه لا متّسع من الوقت لحوار قد يستغرق سنوات، بينما لا يزال لبنان يرزح تحت عدوان متواصل واحتلال وأسرى في السجون الإسرائيلية.

استند كلام عون عن أن شبح الحرب لم يعد يحوم فوق لبنان إلى نتائج الاتصالات التي أجراها مع دول القرار، ومن بينها واشنطن وباريس. وقد مُنح عون تعهدًا بعدم اندلاع حرب شاملة، لكن من دون وقف العدوان الإسرائيلي نهائياً، والذي بقي مرتبطًا بمسألة السلاح شمال الليطاني.

وتشعّبت معضلة السلاح إلى حدّ لم يعد فيه القرار واحدًا حتى داخل حزب الله، حيث تُخاض نقاشات بين مجموعات تعارض تسليم السلاح ومبرراته، ولا تزال تؤيد العودة إلى خوض الحرب لتعديل موازين القوى. ولا يحظى صوت المفاوضات والحوار بالإجماع، وإن كان هو المرجّح. غير أن المريح في هذا السياق أن بعض الدول، ومن خلال الحوار مع رئيس الجمهورية، بدأت تتحدث عن ضمانات قد تطمئن الحزب وبيئته وتمنحه مبررات القلق. ثمة مقاربات جديدة لسلاح حزب الله يتحاور بشأنها العهد، وعين التينة ليست بعيدة عنها، فيما قد يكون موقف حزب الله الداعم للدولة عاملًا مساعدًا في هذا المسار.