حزب الله "يأخذ نَفَساً" من "انفراجة" جبهة إيران: تلويح بالارتداد على الداخل وتهديد بإسقاط الحكومة في الشارع

 ... قد يُعلن اليوم، ربما غداً، ويمكن أن تطيح به «شياطينُ التفاصيل». هكذا كانت حالُ مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران والتي حَبَسَ لبنان، كما المنطقة والعالم، أنفاسَه بانتظارِ تبيان هل سيتمّ توقيعها لتَدخل الحربُ نفقَ المفاوضاتِ الرامية لبلوغ اتفاقٍ نهائي، أم أن ربع الساعة الأخير من المَسار الرامي لإخماد الحريق الأكبر في الإقليم منذ عقود قد تَحمل مفاجآتٍ تعيده إلى النقطة صفر.


وبينما كانت عواصمُ المنطقة والشرق والغرب منهمكةً في التقصّي عن مآلاتِ المحاولة الأكثر جدية على المَسارِ الدبلوماسي لإنهاء الحربِ على جبهة إيران، وسط حرصٍ من الوسطاء على الإسراع في ردم الفجوات المتبقية قبل أن تَدْهم الجميعَ مفاجأةٌ سلبية، من جبهاتٍ رديفةٍ أو بفعل تَبَدُّل المزاج الداعم لاتفاق تمهيدي داخل طهران نفسها نتيجة تعدُّد مراكز النفوذ وربما القرار، بدا لبنان شاخِصاً على هذه الدينامية القصوى باعتبار أنّ حربَه مربوطةٌ «بالجبهة الأمّ» (طهران) وأن سِلْمه، «نظرياً»، محكومٌ بطاولةِ واشنطن حيث يخوض مفاوضاتٍ مباشرة مع إسرائيل هي أقرب إلى علبةٍ يَجْري إعدادُ كل أوراق اتفاقٍ شامل لوضعْها فيها، ولكن مفتاحها المتمثّل في سلاح «حزب الله» في يد إيران.

وعلى وقع الأعصابِ المشدودة بإزاء المناخاتِ المحمومة في ما خصّ مضمون اتفاق المبادئ وإطارِه و«أول غيثِ» نتائج توقيعه، ولاسيما في ما خص مضيق هرمز والحصار البحري، ارتسم مجدداً الصراع حول جبهة لبنان وموقعها في المشهد الكبير، فهل هي «ملف إيراني» أي من عُدة التفاوض الذي ستخوضه طهران - في حال صَدَرَ «إعلان اسلام اباد» - في الستين يوماً الفاصلة عن الاتفاق النهائي، أم أنّ حصانَ مَسارِها المستقلّ «خرج من الحظيرة» عبر مفاوضات واشنطن بين بيروت وتل أبيب والتي باتت لها «حَصانة» عالية تتأتى من الرعاية الشخصية لها من الرئيس دونالد ترامب.
وهذا الصراعُ، القديم – الجديد، عبّر عن نفسه مجدداً بحرص طهران على إدراج وَقْفِ القتال على جميع الجبهات، وفي مقدمها لبنان، كأولوية في مذكّرة التفاهم ومحاولة ضمانِ أن يَضغط ترامب، على تل أبيب لالتزامٍ كامل بالهدنة مع «حزب الله»، وسط اعتبار أوساط سياسية أن هذا يدخل في سياق حرْص «الجمهورية الإسلامية» على تظهيرِ أنّ الدولة اللبنانية لا يمكنها فرْضُ أن تحترم إسرائيل وَقْفَ النارِ(يسري قولاً فقط منذ 37 يوماً) بقواها الذاتية دبلوماسياً، لأنها غير مرتكزة على ورقةِ القوة الوحيدة التي يمثّلها سلاح «حزب الله» الذي يَتَعَمَّد تفويض أَمره والإمرة على مصير ترسانته لطهران ومسار إسلام أباد.

نتنياهو وشروطه

في المقابل، يَمْضي بنيامين نتنياهو، في تَمَسُّكه بالفصل، ما أمكن، بين وقف النار على جبهة إيران واستمرار القتال ولو المقيَّد والمخفوض على جبهة لبنان، وهو أعلن أن ترامب، أكد له مجدداً «حقّ إسرائيل في الدفاع عن نفسها ضد التهديدات على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان»، وسط اعتقادٍ أن موقف واشنطن يأتي من باب مساعدته على «تَجَرُّع» التفاهم مع طهران وأيضاً ترسيخِ استقلاليةِ المسار اللبناني في المفاوضات عن طاولة إسلام اباد، وتكريس طاولة واشنطن مرجعية حصرية لاستيلاد اتفاقٍ شاملٍ بين بيروت وتل أبيب مَدخله تفكيك ترسانة «حزب الله».

ويسود انطباعٌ، بأنّ موضوعَ وكلاء إيران، وفي مقدّمهم «حزب الله»، وإن بقي خارج الاتفاق النهائي مع طهران، ستكون معالجتُه «جِراحيةً» أي بالضغط الميداني من جانب إسرائيل إذا لزِم الأمر، والسياسي والدبلوماسي الذي تقوده الولايات المتحدة وارتقت به يوم الخميس، برسالة العقوبات الأقسى على مسؤولين أمنيين وعسكريين لبنانيين وسفير إيران في بيروت و«رجال ظلٍّ» في الحلقة الأضيق للرئيس نبيه بري، ونواب من حزب الله، و«الحبل على الجرار».

أما الدولة اللبنانية التي تهيّء أوراقَها لانطلاق المسار الأمني من المفاوضات المباشرة مع إسرائيل في البنتاغون يوم الجمعة، قبل 4 أيام من جولة التفاوض الرسمية الأولى على المسار السياسي بصيغته المعززة لبحث «إعلان النيات» الذي يُراد صدوره، فتصرّ على تثبيت «استعادةِ السيادة الدبلوماسية» وعلى أنها تفاوض عن نفسها وعلى فصل مَساريْ واشنطن واسلام اباد.

وقد اعتبرت الأوساط السياسية أنّ دخولَ جبهة إيران مرحلة التبريد ووضْعها على سكةِ الحلّ ولو الذي ينطوي على مطباتٍ كبيرة، سيساعد في تفكيكِ بعض الألغام من طريق لبنان، خصوصاً في حال التزمت إسرائيل صيغة أكثر انضباطاً من وقف النار، ومن دون أن تُبدي هذه الأوساط خشيةً من أن يستقوي الحزب بالمجريات التي أمْلت تسريع إنهاء حرب إيران، ما دامت واشنطن رسّمتْ بالعقوبات حدودَ طاولة واشنطن التي كرّس ترامب، نفسه شخصياً «عرّابها».

ليس ورقة تفاوض

وإذ لم يصدر أي موقف رسمي في ما خص موقع لبنان من مذكرة التفاهم المرجحة بين واشنطن وطهران، نقلت قناة LBCI عن مصادر رسمية «أن أي وقف نار سيتم التوصل إليه في لبنان سيكون بمثابة دعم وتأكيد على وقف النار الذي توصلت إليه الدولة اللبنانية في مفاوضات واشنطن»، موضحة أن «لبنان يعمل منذ آخر لقاء في واشنطن مع الفريق المفاوض على تثبيت وقف النار الهش ويُجْري اتصالات مع الجانب الأميركي لوقف شامل للعمليات في كل لبنان لكنه لم يتلقَّ بعد أي جواب واضح».

وبحسب المصادر، فإن «لبنان اتخذ قراره بأنه يفاوض عن نفسه وليس ورقة تَفاوُضِ بيد أحد»، معتبرة «أن إيران تريد ربْط لبنان بمفاوضاتها مع أميركا لتقول لحزب الله إنها لم تتخل عنه لكن الدولة اللبنانية تتمسك في قرارها لناحية تفردها بقرار التفاوض وفصل المسارين».

وأضافت «أن ما سيحصل عليه لبنان من خلال أي اتفاق أميركي ـ إيراني هو وقفٌ للنار، فإن لبنان هو أصلاً في فترة وقف النار الذي مُدد لمدة 45 يوماً بعد جولة المفاوضات الأخيرة التي يشارك فيها لبنان الرسمي ولكن إسرائيل لم تلتزم به».

وختمت «لبنان الرسمي لم يتبلغ حتى الآن بأي معطيات حول ما قد تشهده الجبهة اللبنانية في حال الاتفاق، لكنه يرحب بأي اتفاق يؤدي إلى وقف الحرب كلياً في لبنان ووقف العمليات التي تحصل في الجنوب».

«العِبرة تبقى في التنفيذ»

وإذ نُقل عن بري، قوله رداً على احتمال توقيع تفاهم أميركي - إيراني وما تردّد عن شموله لبنان إنّ «العِبرة تبقى في التنفيذ»، لم تتأخر إسرائيل في تظهير أنها ستجعل، أقله الساعاتِ الفاصلة عن أي مذكرة تفاهم، «مسرح نار» ملتهبة وسّعتْ من خلالها رقعة غغاراتها التي أدت في بلدة صير الغربية (قضاء النبطية) لوقوع 11 ضحية بينهم طفل و6 سيدات، وإصابة 9 بجروح بينهم 4 أطفال وسيدة، في موازاة تمدُّد حزام إنذارات الإخلاء مجدداً إلى قرى في البقاع الغربي وصيدا، وسط إعلان هيئة البث الإسرائيلية نقلاً عن مصدر في الجيش «إذا اضُطررنا لاختراق الخط الأصفر لمواجهة حزب الله فسيَحدث ذلك».

«حزب الله» يُهدد

أما «حزب الله» الذي كثّف بدوره من عملياته بالمسيّرات، فبدا وكأنه «أَخَذَ نَفَساً» سريعاً بفعل ارتسام مسار إنهاء حرب إيران واندفع مهدداً الحكومة بإسقاطها، وهو ما عبّر عنه أمينه العام الشيخ نعيم قاسم، في رسالة لمناسبة «عيد التحرير»، إذ أعلن «إذا كانت الحكومة عاجزة عن تأمين السيادة، فلترحل»، معتبراً «أن القرض الحسن عمل اجتماعي مستقل، والعدوان على هذه المؤسسة هو عدوان على الفقراء وذوي الدخل المحدود، ومن حق الشعب أن ينزل إلى الشارع ويُسْقِط الحكومة في مواجهة المشروع الأميركي - الإسرائيلي الذي يستهدف مؤسساتنا».

ودعا الحكومة «إلى التراجع عن قرار حصر السلاح بيد الدولة»، مؤكداً «العقوبات الأميركية لن تضعفنا، وإذا توحشت أميركا أكثر فلن يعود لها شيء في لبنان لأنها ستخربه على رؤوس أبنائه وعليها».

واعتبر «أن نزع السلاح تمهيد للإبادة وهذا لا يمكن أن نقبل به (...) وستدافع المقاومة عن الأرض والشرف، وكل مَن يواجهنا سنواجهه كما نواجه إسرائيل، والسلاح سيبقى في أيدينا إلى أن تتمكن الدولة من القيام بواجبها»، ومعتبراً «أن المفاوضات المباشرة مرفوضة بالكامل وهي كسب خالص لإسرائيل».