"حصر إرث" النفوذ الإيراني جارٍ!

يفترض أن يكون قد حُدد الموعد في منتصف الشهر الحالي لجولة تفاوض جديدة بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية في روما. لكن اللافت أن تحديد الموعد الذي لم يبلّغ حتى كتابة هذه السطور احتاج إلى عملية قيصرية في وقت تلتهب فيه المنطقة مجدداً جراء الضربات المتبادلة بين الولايات المتحدة وإيران، وتواصل إسرائيل التحضير لإسقاط تلة علي الطاهر الإستراتيجية، بمعزل عن المفاوضات التي تشكل نقلة نوعية في السياسة بين لبنان وإسرائيل، لكنها تفتقر حتى الآن إلى ترجمة عملية على الأرض بالنسبة إلى ملفي السيطرة الحاسمة للجيش اللبناني على المناطق التجريبية، ونزع سلاح "حزب الله". 

فالملف الأول هو الذي يمهد الطريق أمام مزيد من الانسحابات، فيما الثاني يُخرج لبنان من حالة الحرب الدائمة التي عاشها، أقله منذ 1969، وتفاقمت في العقدين الأخيرين عبر حرب 2006 التي افتعلها "حزب الله" لحسابات إيرانية، ثم في 2023 و2026 مع تورط الحزب إياه في حربي إسناد غزة وإيران. وواضح أن حربي الإسناد أدّتا إلى وقع جديد في لبنان، وبالتحديد في منطقة الجنوب التي تشهد جهداً إسرائيلياً لتغيير معالمه في العمق، عبر إقامة منطقة أمنية عازلة قد يطول الوقت قبل تفكيكها، إضافة إلى ما هو أمضى، أي تغيير الأرض بتدمير القرى والبلدات ومحوها عن بكرة أبيها.

ولمن يتحدث عن كارثة قطاع غزة، يمكن تشبيه جزء كبير من الجنوب اللبناني بواقع غزة الكارثي. فبين تدمير البيوت والمنازل والبنى التحتية العامة والخاصة، وإحراق الأراضي الزراعية واقتلاع الأشجار، يلاحظ أن العمل جارٍ منهجياً لتحويل الأرض المشار إليها إلى أرض محروقة سيستحيل على سكانها أن يعودوا إليها سريعا. فللعودة مقومات لا بد أن تتوافر سريعا لئلا يتحول النزوح القسري الموقت إلى حالة تهجير طويل تنقلب على واقع لبنان الديموغرافي، مما ينعكس في العمق على البناء الاجتماعي في البلاد.
وإذا كانت إسرائيل هي الفاعل الذي لا يختبئ، فإن المسبب هو "حزب الله"، الذي في كل يوم يقاوم فيه منطق الدولة يرتكب جريمة في حق لبنان واللبنانيين، وبالأخص أبناء البيئة الحاضنة الذين يتم إغراقهم بسيل من الخطابات الشعبوية والأوهام والأساطير التي لا تعيد فقيدا، ولا تشفي مصابا، ولا تحمي مجتمعا، ولا تعيد نازحا، وبالتأكيد لا تبني قرية أو بلدة جرى محوها من الوجود.

ولا ننسى أن خطاب الحزب المذكور من القرون الوسطى لا يحرر أرضاً، وبالطبع لا يبني لبنان موحداً تحت سلطة القانون بالتساوي.

على الحزب أن يدرك، وفي مكان ما من يحمون سرديته بالتواطؤ أو بالاستسلام، أن لبنان، ما لم يتم التخلص من الصيغة الشاذة التي تحكمه راهنا، سوف ينفجر تحت أقدام الجميع. أما الحزب المذكور فلن يدوم في منطقة يتم فيها "حصر إرث" النفوذ الإيراني! ولبنان لن يكون استثناء…