المصدر: وكالة الأنباء المركزية
الكاتب: جوانا فرحات
الجمعة 26 حزيران 2026 13:04:09
يخطئ من يظن أو يريد أن يُقنع نفسه قبل الآخرين أن بيئة حزب الله لا تزال صامدة ولم تهتز. فالحرب الأخيرة لم تتسبب فقط في تدمير البيوت وسقوط حوالى 4500 قتيل عدا عن الجرحى، بل أدت أيضاً إلى اهتزاز المعادلة النفسية التي قام عليها خطاب "المقاومة". وتبين أن لا سلاح المقاومة ولا الباليستي منعا الحرب وردعا الإسرائيلي، ولم تضع إيران حزب الله في أولوياتها على طاولة المفاوضات الأميركية-الإيرانية إنما بندا تساوم عليه وتفاوض بحسب مصالحها.
ندخل إلى بيئة حزب الله. هنا أيضا برز خطأ شائع بأن جمهور الحزب مؤدلج بكامله وإرادة الشيعة مسلوبة، علماً أن هناك إجماع على العداء لإسرائيل.إلا أن هذه الحرب عرّت ما يسمى ب"فوبيا" الحزب وخرج من يقول "تعبنا. لا نريد حروبا بعد اليوم ندفع ثمنها دما ودمارا، ولا نقبل بأن نكون مشروع حرب جديدة". من هنا بدأ التحول.
لكن عقاب الحزب الذي يدرك أنه مهزوم عسكرياً ومعنوياً، جاء ليصنّف أبناء بيئته بين "مقاوم" وآخر "خائن وعميل" وعمد بحسب المعلومات إلى إصدار بيانات بإسم عائلات معارضين شيعة من دون علم هذه العائلات تتضمن مواقف تتبرأ منهم وتتهمهم بالخيانة والعمالة قبل أن تُتلى أسماؤهم في عدد من المساجد التابعة لنفوذ الحزب.
هنا يجب التوقف عند السؤال التالي من هم المعارضون الشيعة؟ نقاشات عديدة برزت في الأعوام الأخيرة حول موقع المعارضين الشيعة الذين ينتقدون حزب الله أو يعارضون خياراته السياسية والإقليمية. وترافق ذلك مع سجالات متكررة بشأن الضغوط الاجتماعية والسياسية التي قد يتعرض لها هؤلاء داخل بيئاتهم المحلية. وبينما تختلف الروايات حول حجم هذه الظاهرة وأشكالها، فإن مجرد وجود هذا النقاش يفتح الباب أمام أسئلة أعمق تتعلق بطبيعة العلاقة بين التنظيمات العقائدية وبين التعددية السياسية داخل المجتمعات التي تمثلها.
الكاتبة والباحثة السياسية الدكتورة منى فياض تؤكد لـ"المركزية" أن الحملات التي يقوم بها حزب الله موجهة ضد أفراد وعائلات من ضمن بيئته ومحيطه وما زالوا على صلة بقراهم أو تربطهم صلة قرابة بشخصيات دينية . أما طبقة المفكرين والكتاب والباحثين الشيعة المعارضين فهم بعيدون عن هذه الحملات، لأن الحزب يدرك أنها لن تهزهم ولن ترهبهم وقد جربوا سابقا وما زالوا لكن دون فائدة".
وتلفت الدكتورة فياض إلى أن تصويب الحزب حملاته على هذه الطبقة يعود إلى تنبهه بمدى تأثيرها على المجتمع الشيعي بعدما كانت تعيش في الظل. علما أن الحزب نفسه أوجد الظروف المؤاتية لابتعاد الناس عنه . فالمواطن الشيعي العائد إلى قريته وقد وجد منزله مهدماً وجنى العمر تطاير أشلاء لن يقتنع بخطاب الحزب الإيديولوجي وسيقتنع أكثر فأكثر بمواقف الشيعة المعارضين والسياديين".
إمكانية توسع هذه الحملات لتطال معارضين من طوائف أخرى مستبعدة بحسب فياض"لأن الحزب في أضعف حالاته اليوم، وفي حال فعلها سيرفع من نسبة المعارضين له. وبالتالي سيكون تصويب الحزب على أبناء بيئته ليقول أنه لا يزال يملك شعبية واسعة ويرفع إصبعه في وجههم بعدما ثبت أنه لا يفعل فعله في وجه السياديين والشيعة المعارضين، ويتمسك أكثر فأكثر بوزراء الحزب ونوابه ليقول أنه يملك شرعية داخل مؤسسات الدولة. لكن على الدولة إذا كانت جدية في مسألة قطع دابر الحزب، أن تحاسب أصحاب هذه الحملات وترفع القضية إلى الأجهزة الأمنية والقضائية مع طرحها على مجلس النواب والحكومة. الإستسلام ممنوع وحجة الخشية من حصول مواجهة بين الجيش وعناصر الحزب في القرى الجنوبية غير مبررة من الآن فصاعدا".
عمليا أي موقف سياسي معارض من داخل البيئة الحزبية قد يؤدي إلى عزله اجتماعياً أو تشويه سمعته أو تعريضه لضغوط مختلفة، لكن جوهر القضية يرتبط بمفهوم النظام الديمقراطي نفسه. من هذا المنطلق، ليس المطلوب من النواب والوزراء السياديين الدخول في مواجهة سياسية مع جمهور أو طائفة أو حزب بعينه، بل القيام بالواجبات التي تفرضها عليهم مواقعهم الدستورية، وفي أولويتها إعادة التأكيد بصورة واضحة ومتكررة أن حرية الرأي السياسي حق دستوري لا يجوز المساس به تحت أي ظرف.
بالتوازي، فإن الصمت الرسمي في مثل هذه القضايا لا يعني الحياد مطلقاً إنما تسليم بالأمر الواقع أو العجز عن حماية المواطنين. لذلك يصبح من الضروري صدور مواقف واضحة تؤكد أن الاختلاف السياسي لا يمكن أن يتحول إلى مبرر للتخوين أو الإقصاء أو التهديد.
أما الخطوة الثانية فتتمثل في تفعيل دور المؤسسات الأمنية والقضائية بدل الإكتفاء بإصدار البيانات إذا كانت هناك ادعاءات بوجود ضغوط أو تهديدات أو حملات منظمة تستهدف أفراداً بسبب آرائهم، والتحقيق في أي شكوى جدية تُقدّم من مواطنين، بغض النظر عن انتماءاتهم السياسية أو الطائفية، وتطبيق القانون على الجميع وفق المعايير نفسها.
قد لا تكون المعركة الحقيقية اليوم بين مؤيد ومعارض، ولا بين حزب وآخر، بل بين منطق الدولة التي تحمي الجميع ومنطق الغلبة الذي يحدد للمواطن ما يجوز له أن يقوله وما لا يجوز. وفي هذه المعادلة تحديدا تُختبر صدقية القوى السيادية وقدرتها على ترجمة شعاراتها إلى سياسات وإجراءات ملموسة على الأرض.