حملة الدراجات النارية في بيروت مستمرّة... حجز أكثر من 15 ألف دراجة في عام

منذ عام، تابعت "نداء الوطن" الخطة الأمنية التي بدأت عام 2025 في بيروت، وكشفت في حينه عن انخفاض نسبة الجريمة في العاصمة، قبل أن تفرمل الحرب الإسرائيلية تلك الخطة، وتحوّل أولويات شرطة بيروت نحو إدارة الطوارئ وتداعيات النزوح، لتصبح أقرب إلى "شرطة طوارئ". اليوم، ومع وقف إطلاق النار، عادت الحملة على الدراجات النارية بقوة، بتوجيه من وزير الداخلية أحمد الحجار، اعتبارًا من 24 حزيران الماضي. وقد ترأس أمس اجتماعًا طارئًا للجنة الوطنية للسلامة المرورية، للبحث في واقع السلامة المرورية ومتابعة التدابير المتخذة في هذا الإطار.

وبالعودة إلى الحملة في بيروت، فوفق معلومات "نداء الوطن"، بلغت حصيلة الدراجات التي حُجزت خلال عام قرابة 15 ألف دراجة، وفق مصادر أمنية متابعة للحملة. وفي الأسبوع الأول من الحملة الحالية، حجزت سرية سير بيروت في شرطة بيروت 880 دراجة، فيما علمت "نداء الوطن" أن حملة غير معلنة سبقتها بنحو عشرة أيام أسفرت عن حجز قرابة 600 دراجة إضافية.

ولا تزال مكافحة جرائم السلب التي تُستخدم فيها الدراجات أحد أبرز أهداف الحملة. كذلك دفعت الحواجز عددًا كبيرًا من المخالفين إلى تسجيل دراجاتهم في "النافعة". لكن ذلك لم يضع حدًّا لفوضى المخالفات المرورية التي تهدد السلامة المرورية، من القيادة على الأرصفة وتجاوز الإشارات، إلى السير عكس الاتجاه وغيرها...

ماذا غيّرت الحملة على الدراجات النارية، على مستوى سلوكيات المواطنين و"قوننة" أوضاعهم؟ وكيف تحاول "غروبات واتساب"، إفشال الحواجز الأمنية؟ وهل يمكن أن تتحول هذه الحملة من إجراء أمني متقطع إلى مسار دائم لتنظيم الدراجات في العاصمة؟

نحو 2000 دراجة في 18 يوما

مصادر مطلعة على الحملة على الدراجات النارية في بيروت، تشدد على أنها تهدف بشكل أساسي إلى تطبيق النظام العام، وتخفيف حوادث السير الناتجة عن مرور الدراجات النارية عكس السير، وخفض الجرائم الحاصلة على الدراجات النارية، كجريمة السلب.

ومن المضبوطات، التي تكشفها الحواجز في الحملة الأخيرة، لمن يستخدمون الدراجات النارية بهدف جريمة السلب: معدات للسرقة، جوارب (كلسات)، مفكات، براغ، كماشات (pinces)...

واتخذ القرار في بداية حزيران الماضي وقضى بـ"تعزيز إجراءات قمع مخالفات الدراجات الآلية في بيروت". ووجّه الوزير الحجار كتابًا إلى محافظة مدينة بيروت والمديرية العامة لقوى الأمن الداخلي، لتعزيز إجراءات ضبط مخالفات الدراجات النارية في بيروت، في ظلّ ارتفاع نسبة مخالفات الدراجات النارية المخلّة بالأمن والسلامة المرورية في مدينة بيروت.

وآخر الأرقام التي نشرتها قوى الأمن الداخلي في هذا السياق، كانت عن الفترة الممتدة من 1 تموز 2026 ولغاية 18 تموز 2026، حيث حجز 1986 دراجة آلية و231 سيارة مخالفة، إضافة إلى تنظيم 11085 محضر مخالفة بحق المخالفين.

"فلاش باك"... قبل الحرب

عطّلت الحرب الإسرائيلية الأخيرة الخطة الأمنية التي بدأت عام 2025 واستهدفت الدراجات النارية المخالفة في بيروت. الخطة التي كانت قد أضاءت عليها "نداء الوطن"، وحقّقت في حينه انخفاضًا في نسبة الجريمة، مع تراجع جرائم السلب بنسبة 80%، كشفت بدورها أن جزءًا كبيرًا من جرائم السلب بقوة السلاح كان يُنفّذ عبر دراجات نارية، وأن الخطط الأمنية في العاصمة لا تقتصر على السلامة المرورية، وإنما تخفي وراءها أيضًا هاجسًا أمنيًا.

فقسم كبير من "أصحاب السوابق" لا يسجّل دراجاته (أحيانًا تكون مسروقة أساسًا). وتظهر النشرة الخاصة بهم عند الحاجز، فيتم توقيفهم. ومن نيسان إلى حزيران 2025، تم توقيف 8 أشخاص في جريمة السلب، و36 شخصًا في السرقة العادية، وفي جريمة المخدرات وحدها، تم توقيف 299 شخصًا!

لكن السلامة المرورية لا تقل أهمية عن الهاجس الأمني، فارتفاع عدد المواطنين الذين يستخدمون الدراجات النارية، بعد الأزمة الاقتصادية، كخيار "أوفر" و"أسرع" من السيارة في عاصمة تعاني، خلال غالبية ساعات النهار، من الازدحام المروري، جعل من فوضى القطاع خطرًا حقيقيًا، جراء سلوكيات عدد كبير من السائقين، كأن تسير الدراجة على الرصيف، فـ"يُزمّر" لك صاحبها لتدعه يمرّ على رصيف مخصّص للمشاة، أو أن يحاول المارة قطع الشوارع وفقًا للإشارات المرورية، فيفاجَؤوا بدراجة نارية تتجاوز الإشارة، لا بل وتسير عكس السير، فتصبح مهمة المشاة مزدوجة: النظر يمينًا ويسارًا، حتى لو كانت الإشارة خضراء للمشاة وحمراء للسيارات والدراجات النارية!

وهذا غيض من فيض مخالفات الدراجات النارية، وهذا لا يلغي طبعًا أن أصحاب الدراجات يكونون أحيانًا ضحايا سائقي دراجات أو سيارات أخرى. من هنا، فإن حجز قرابة 15 ألف دراجة في عام واحد، لا يبدو مجرد رقم، بل مؤشرًا إلى حجم الفوضى التي تراكمت في قطاع الدراجات، أمنيا ومروريا.

في الحرب: "شرطة طوارئ"!

وكانت الخطة الأمنية قد بدأت في تحقيق أهدافها قبل الحرب، إن لناحية الأمن أو السلامة المرورية، لكن سرعان ما "جمّدت" على وقع عودة طبول حرب الإسناد الثانية في لبنان، لتتحوّل شرطة بيروت إلى "شرطة طوارئ"، تتعامل مع تداعيات الحرب على المدينة، ما أوقف بطبيعة الحال، العمل على ملف الدراجات النارية.

فخلال الحرب التي دفعت بيروت فيها ثمنًا باهظًا، لا سيما في ضربات "الأربعاء الأسود"، بات عمل شرطة بيروت أمنيًا بامتياز، وهو ما تستند إليه مصادر أمنية بالإشارة إلى أن نسبة الجرائم لم ترتفع في حينه.

فالهاجس الأكبر كان تأمين حياة السكان في الأزمة، من أهالي المنطقة، أي البيئة المضيفة، والنازحين فيها، وبات العمل يوميًّا يتركّز على إزالة مخالفات السيارات، الذي تقدره مصادر أمنية متابعة لتلك المرحلة، بـ 50 إلى 80 سيارة يوميًّا، بعدما تحولت العاصمة إلى موقف كبير للسيارات، تركن فيه السيارات "صف ثاني وثالث"، وذلك بهدف تأمين خط الطوارئ والإسعافات ومنع عرقلة السير.

الاستجابة للخطة الأمنية

نتيجة كثافة الحملة على الدراجات النارية اليوم وجديتها، مع عودتها بقوة، تلاحظ مصادر متابعة لسير الحملة في بيروت، بدء عدد كبير من سائقي الدراجات النارية بالالتزام بالقانون، خوفًا من حجز دراجاتهم أو تسطير محاضر ضبط بحقهم.

أول الغيث، انخفاض عدد الدراجات التي تتجاوز الإشارة الحمراء، والالتزام بالتوقف بانتظار إشارة السير الخضراء، لا سيما في الطرقات وعند التقاطعات الرئيسية.

فالغرامات تسطر بحق مخالفين، يسيرون عكس السير أو على الرصيف وغيرها من المخالفات، وهو ما يجعل السائقين أكثر حرصًا على تطبيق قانون السير طيلة مسار الدراجة في شوارع بيروت العاصمة.

مع ذلك، تبقى الأرقام التي كشفتها وزارة الدّاخلية أمس في بيان، وفقًا لبيانات المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي، مقلقة حيال السلامة المرورية على الأراضي اللبنانية كافة، والتي لا تقتصر على الدراجات وحدها، حيث تشير إلى "ارتفاع نسبة الحوادث الناتجة من السرعة الزائدة (33%؜)، وعدم التركيز أثناء القيادة (40%؜)، خلال النصف الثاني من شهر آب الحالي"، وهو ما حدا بالوزير الحجار إلى الطلب من قوى الأمن الداخلي "استكمال تطبيق قانون السير، واتخاذ الإجراءات والتدابير اللّازمة لضبط المخالفات المروريّة بكل جدية".

غروبات واتساب: "حاجز"

تكثيف الحواجز ضمن الحملة على الدراجات النارية في بيروت، واستمرارها لأسابيع متتالية، دفعا البعض إلى إنشاء مجموعات على "واتساب" خصيصًا لتفادي حواجز الدراجات النارية. وشملت تنبيهاتها كل الحواجز المقامة على الأراضي اللبنانية، وليس في بيروت فقط، واستُخدمت فيها عبارات "مجازية" للدلالة على وجود الحاجز. كما أن قنوات إخبارية عبر "واتساب" في المناطق تشارك أيضًا في "إخبار" المواطنين بأماكن الحواجز!

وعمل هذه القنوات والغروبات كـ"مخبر على الدولة"، يتم عبر تقنيات يواري فيها أصحاب هذه المجموعات أحيانًا، "إخبارهم": حيث للدركي إسم سري، وللحاجز إسم سري.

وعلى سبيل المثال، إحدى العبارات التي أرسلت في إحدى المجموعات "ع ضبية مارينا عم يلَيفوا كلشي"، أو "صفّت البلاطة"، بمعنى "ركب الحاجز". وجديد الغروبات، الاكتفاء بتسمية المنطقة حيث حاجز القوى الأمنية، مع إشارتين ترمزان لوجود الحاجز.

المخالفون إلى النافعة درّ!

في تحقيق سابق عن الحملة على الدراجات النارية في بيروت، روى سامر، أحد سكان العاصمة، كيف اضطر إلى التوقف عن استخدام دراجته، تجنّبًا لحجزها. فراتبه الذي لا يتجاوز ألف دولار لم يسمح له بتسجيل الدراجة والاستحصال على رخصة سوق في شهر واحد. وبعد قرار وزير الداخلية والبلديات أحمد الحجار تحديد بدلات تعليم السوق وخفضها، استحصل سامر على رخصة سير لدراجته، وينتظر بداية الشهر الجديد لاستكمال معاملة رخصة السوق.

حالة سامر تختصر أحد أبرز التحولات التي أحدثتها الحملات الأمنية على الدراجات النارية خلال عام: من ركن الدراجات المخالفة ريثما تنتهي الحملات المكثفة، إلى تسوية الوضع القانوني، وهو ما أكدته حركة التسجيل اللافتة في النافعة، حيث تم تسجيل 19318 دراجة نارية، فقط في غضون 7 أشهر.

 

لتعديل قانون السير!

ويعوّل اليوم على تعديل قانون السير ورفع الغرامات على مخالفات السير لضبطها، لتعالج مخاطر السلامة المرورية بحزم يتخطى البعد الأمني إلى البعد التشريعي. لكن تبقى التوعية وتثقيف المواطنين، ضرورة تستكمل الحلول القانونية.

فالدراجات المسجلة باتت أكثر نسبيًا في بيروت جراء الحملات الأمنية، لكنّ الالتزام بقانون السير، يتخطّى تسجيل الدراجة، إلى عدم مخالفة قانون السير نفسه: كالسير عكس السير، أو السير على الرصيف، أو السير بلا خوذة، أو وضع أفراد العائلة جميعهم على الدراجة النارية والمخاطرة بهم وبالمارة وبالسيارات والدراجات الأخرى، فالطريق لجميع المواطنين، على أن يسير الجميع على الطريق بـ"مسؤولية"، تحت سقف القانون الذي وضع ليحمي جميع المواطنين.