حوار بين فخامة الرئيس بشير الجميّل والسيد حسن نصرالله في دنيا الحق….

حوار بين فخامة الرئيس بشير الجميل والسيد حسن نصرالله في دنيا الحق….

الشيخ بشير : سيّد حسن…

السيّد حسن : فخامة الرئيس…

الشيخ بشير، بهدوء : لم أكن أظنّ أنني سأراك بهذه السرعة. هل رأيت هذا الصمت هنا؟ لا شيء سوى الصمت.

السيّد حسن، بهدوء : والزمن، الكثير من الزمن… إذًا فلنتكلّم.

الشيخ بشير بتنهّد : معك حق. وإذا لم نستطع أن نتفاهم هنا، فلن نتفاهم في أي مكان.

السيّد حسن : بسم الله الرحمن الرحيم…

الشيخ بشير : مقبولة منك هون؛ هون كلنا واحد

السيّد حسن، بهدوء : الله واحد هنا لجميع ابنائه، لا فرق؛ ليت يعرفون ذلك في لبنان

الشيخ بشير، بصوت منخفض : طبعاً ليت في لبنان يدركون ذلك. ساقول لك الحقيقة، مهما كانت صعبة. أنا خائب أملي من مسلمي بلدي. ولاؤهم كان دائمًا في الخارج، للمسلمين، لا للبنان. منذ عبد الناصر إلى الاحتلال الفلسطيني والسوري والإيراني، ودائمًا ضدّ إخوانهم المسيحيين. انتظرنا السنّة حتى سنة 2005، بعد اغتيال الشهيد رفيق الحريري، ليقولوا "لبنان أولاً". والآن علينا أن ننتظركم أنتم الشيعة.

السيّد حسن، بصوت مشدود : قاتلنا أولاً ضدّ الظلم، ضدّ النظام الماروني الذي سحقنا. الفلسطينيون كانوا مظلومين مثلنا. كانت القضية عربية. وعندما لا تملك شيئًا، لا سلطة ولا مدارس ولا مستشفيات، تتمسّك بمن يعطيك صوتًا. الشيعة كانوا فقراء، مهمّشين. ثم أنشأنا المقاومة وقاتلنا العدو الإسرائيلي الذي احتل أرضنا. وانتم المسيحيين كان لديكم كل السلطة وتتحكمون بالدولة منذ انشاء لبنان الكبير ولم تتنازلوا لمطالب المسلمين المحقة لايجاد توازن في الحكم.

الشيخ بشير، بمرارة : معك حق، كان الشيعة محرومين ومظلومين، وكان على المسيحيين ان يتحاوروا مع كل شركائهم في الوطن لاستحداث شراكة حقيقية، لكن هذا ليس مبررًا لتحالف جزء لا بأس منهم مع الفلسطينيين الذين أرادوا لبنان "وطنًا بديلاً" ضدّهم، وتسببوا بمئات آلاف القتلى. لا أفهم. أبهذه الصعوبة أن تكون لبنانيًا ومخلصًا لأرضك ووطنك؟ ولا تنسى أيضا ان الشيعة في زمن المارونية السياسية كان لديهم حرية الاختيار وكانوا متنوعين: فكان منهم اشتراكي، قومي، مع فتح، شيوعي ملحد وحتى مع الكتائب اللبنانية! فاين نحن اليوم من ذالك؟

السيّد حسن، بقسوة : تتكلم عن الوطنية؟ يا شيخ بشير، لقد حملت سلاح الإسرائيليين. فتحت لهم الطريق حتى بيروت. تتكلم عن لبنان، لكنك كنت أداتهم.

الشيخ بشير، يضرب الهواء بيده : أداة؟ يا سيّد حسن، أجبني قبل أن تحكم عليّ. أين كنتم أنتم في 75-76؟ عندما قرّر الفلسطينيون ابتلاع لبنان؟ عندما أقاموا "فتح لاند" من الساحل حتى العرقوب؟ عندما ذبحوا الدامور، ونصبوا الحواجز في بيروت الغربية والشرقية؟ الجزء الاكبر من مسلمي لبنان حمل السلاح مع الفلسطينيين ضدّ أبناء وطنكم المسيحيين. ضدّ لبنان الـ 10,452 كلم². بأي منطق؟ كيف بعتم جيرانكم وقراكم لأغراب مسلّحين؟ اشرح لي ذلك أولاً.

السيّد حسن، بفكّ مشدود : قلت لك وأعيدها: قاتلنا ضدّ الظلم. السيّد موسى الصدر أنشأ حركة أمل للمظلومين والمحرومين. وايضا الم تكونوا انتم في احضان الاميركيين والغرب؟

الشيخ بشير : الإمام الصدر كان دائمًا يفتخر بغنى التعايش الإسلامي-المسيحي، وكان رجل وطني عظيم ولائه للبنان وقد ضغط عليه الفلسطينيون بشتى الوسائل. وكذلك الامام محمد مهدي شمس الدين، وفضل الله؛ فهؤلاء كانوا رجال علم وفقه كبار لا يعترفون بولاية الفقيه ، فلمذا لا يستطيع امثالهم ان يكونوا مرجع الطائفة كما البطريرق الماروني مرجعنا نحن وليس بابا روما؟ جبل عامل الذي ساعد على تشييع ايران بعلمائه في زمن الصفويين لا يستطيع ان يخرّج رجل دين يكون المرجع؟ وثم تتكلم عن القضية العربية؟ القضية العربية كانت ان تمر طريق القدس من جونيه؟ فانتم فضّلتم الغريب على الأخ. وبالنسبة لحديثك عن استعانتنا بالغرب، تذكر يا عزيزي الموفد الاميركي دين براون الذي التقى بالرئيس فرنجية وعرض عليه ارض بديلة للمسيحيين فطرده الرئيس فرنجية وقال له ان حتى اولادي واولاد باقي الزعماء المسيحيين هم على الجبهة. فكيف يكون الغرب داعمنا؟
أنا أخذت السلاح من الإسرائيليين، نعم. ليس لأجلهم. بل لئلا يموت لبنان. لمقاومة الفلسطينيين والفصائل اللبنانية التي أرادت تحويل بلدي إلى ساحة حرب عربية. أنت تأخذ سلاحك ومالك من طهران وتسميها مقاومة. أنا أخذت رصاص إسرائيل وسمّيته بقاءً. يوم يضع الفلسطينيون السلاح، أحرق سلاحي. أما أنت، فلن تحرق سلاحك ما دام المرشد الأعلى لم يطلب منك.

السيّد حسن : دخلت بعبدا على دبابة إسرائيلية. شارون هو من جعلك رئيسًا.

الشيخ بشير، ببرود : أبدًا. دخلت بعبدا لأن 57 نائبًا لبنانيًا انتخبوني. البرلمان اللبناني. ليس الكنيست. شارون أراد معاهدة. أنا أردت دولة. ظنّ أنه سيستخدمني. أنا استخدمته. الدليل؟ بعد 21 يومًا كنت جثة هامدة. لو كنت رجلهم لكنت حيًا حتى الآن. رفضت سلامهم. رفضت وصايتهم. متّ لبنانيًا، يا سيد حسن. لا إسرائيليًا. لا مارونيًا. لبنانيًا.
ثم بنظرة حادّة : وأنت، عندما سقطت، هل سقطت من أجل العلم اللبناني، أم من أجل ولاية الفقيه؟ وهل طريق الجنوب تمر من طهران؟ ولماذا اسمها المقاومة الإسلامية في لبنان وليس المقاومة الإسلامية اللبنانية؟

السيّد حسن : سقطت لكي لا يبقى الجنوب محتلاً. سقطت من أجل لبنان ومن أجل القضية الفلسطينية. سقطت وأنا أقاتل العدو الإسرائيلي الذي يبدو أنك تحبّه، والصهيونية التي تتكلم مخططاتها عن إسرائيل الكبرى والتي تريد ابتلاع لبنان ، سقطت وأنا أقاتل الإمبريالية. يا بشير… أنا أيضًا رأيت لبنان ينزف. ومتّ لئلا يذلّ بعد الآن. لكنك مخطئ إذا ظننت أن لبنان يعيش وحده. قوتنا من إيماننا، من محور المقاومة، من ولاية الفقيه. ولائي للإمام الخامنئي هو ولائي للمحرومين. لولا كربلاء، لولا قم، لولا طهران، لابتلعنا إسرائيل. أنت أردت لبنان قويًا. وأنا جعلت من لبنان قلعة. من أجل لبنان. تقول إنني متّ من أجل مذهبي؟ أقول لك إن مذهبي هو درع لبنان.

الشيخ بشير، بمرارة : قلعة؟ يا سيّد حسن، حوّلت بلدي إلى ساحة معركة وخراب من أجل حروب ليست لنا. عندما تصلك تعليمات من طهران، هل تسأل بنت جبيل أم قم؟ أنا، في 14 أيلول 82، دفعت الثمن لأني رفضت أن يكون لبنان ورقة بيد غيره. مسيحي، نعم. لكن لبنان أولاً. دائمًا. لا لأجل صليب على عنقي. لا لأجل روما. لا لأجل باريس. ولائي يبدأ في عكار وينتهي في الناقورة. ليس لي مرشد أعلى. لا بابا يملي عليّ ما أفعل. لبنان. فقط نقطة.

السيّد حسن، بهدوء : عندما سقطت، رأيت القدس. والدفاع عن القدس هو دفاع عن صور. لا يمكنك الفصل بينهما. لبنانك ذو الـ 10,452 كلم² يموت إذا ماتت الأمة. أنا متّ لئلا يبقى الجنوب محتلاً. لكي يمشي اللبناني مرفوع الرأس. إذا كان ذلك يمرّ عبر إيران، فأنا آخذ به. أنت أردت لبنان سويسرا. وأنا ورثت لبنان محتلاً. الأساليب تتغيّر. الهدف…

الشيخ بشير، يقاطعه : الهدف؟ الهدف أن يقول ابن طرابلس وبعلبك وجونيه "أنا لبناني" قبل أن يقول "أنا شيعي" أو "أنا ماروني" وطبعاً الا يتعلم الاولاد الشيعة في مدارس المهدي أيدولوجيات متطرفة وان ينادوا شهيد عن عمر صغير! هدفك وضع لبنان تحت الوصاية. أنا متّ لأكسر كل الوصايات. الفرنسية، السورية، الإسرائيلية، الإيرانية. كلّها. أنت أقنعت نفسك أن طريقك هو الوحيد الذي يحمي. وأنا أقنعت نفسي أن لبنان يكفي نفسه بنفسه.
وأنا متّ لكي لا يُحتل لبنان من أحد. لا فلسطيني في 75، لا سوري، ولا إيراني اليوم. أنتم اخترتم وصاية لطرد وصاية أخرى. وأنا اخترت السلاح لكسر كل الوصايات. حتى لو كان ذلك يعني أن آخذ سلاح عدوي بالأمس لأقتل عدوي اليوم. هذا اسمه: لبنان أولاً. والباقي خيانة مقنّعة بالإيديولوجيا.

السيّد حسن : خيانة! لا يليق كلامك بهذا المكان ! الخائن هو المتعامل مع العدو الصهيوني! وإذا تخلّت إيران، هل يصمد لبنان؟

الشيخ بشير : إذا كان لبنان لا يصمد إلا بإيران أو إسرائيل أو دمشق أو واشنطن، فهو يستحق السقوط. أنا متّ لكي يصمد وحده. أنتم في 75 وما بعدها أثبتم أن لبنان عندكم يأتي بعد الأمة، بعد القضية، بعد المرشد. أنا أثبت أن لا شيء بعد لبنان. وبمنطق الأمة عندك، أنت تعتبر الإسرائيليين وحدهم محتلين ولديك كل الحق. لكن لم لا تعترف ان السوريين ، الذين نكلوا بلبنان ، كانوا أيضاً محتلين ؛ نفسهم الذين نظمت لهم مهرجان عنوانه شكراً سوريا! ثم اشرح لي لماذا لم تفعلوا شيئًا لشبعا بين 2006 و2024؟ سأجيبك: ببساطة لأن الأجندة الجيوسياسية الإيرانية لم تسمح بذلك. محوركم قدّم ضمانات أمنية لإسرائيل قي هذه الفترة، وبعدها استغللتم كل هذا الوقت للسيطرة على لبنان.

السيّد حسن، بتعب : لن نتفق أبدًا، بشير.

الشيخ بشير : سلموا سلاحكم ولا تتدخلوا بعد الآن في الجيوسياسة يا سيد حسن. انضمّوا إلى بقية الطوائف اللبنانية لبناء دولة قوية، واتحادنا الوطني المدعوم بالجيش اللبناني سيكون أفضل استراتيجية دفاعية. فاذا اتحد قوم لن يقوى عليه احد. الأيام القادمة ستكون صعبة، ويجب أن نكون مستعدين للتحديات الجيوسياسية والاقتصادية المقبلة.

السيّد حسن : وفي هذه الأثناء، يسقط شهداء كل يوم وقرانا مدمّرة… من سيعيد الإعمار؟ ومن سيعطينا ضمانات للمستقبل، ونحن الشيعة أكثر من يُظلم في المناصب الأساسية في الدولة ومواقع السلطة، فمن يحمينا غير سلاحنا؟ يجب البحث في صيغة لبنانية جديدة!

الشيخ بشير، بلين : كل شيء قابل للنقاش عندما تكون هناك نية حسنة ونوايا طيبة. انتم الشيعة اناس طيبون ارجعوا الى لبنانيتكم!

السيّد حسن : لا تعيد لي نفس الاسطوانة؛ فلنتكلم عوضاً عن الامور التي تجمعنا. نحن نتشارك الجغرافيا، والتاريخ من مئات السنين واكثر. ولدينا الكثير من التقاليد والقيم المشتركة: حسن الضيافة والكرم والشهامة والعزة والكرامة والشجاعة والنضال، وخاصةً الايمان العميق! وحتى بعض الموسيقى والدبكة والمأكولات. واهم ما يجمعنا أيضاً شفيع كل الطوائف والمذاهب القديس شربل!

الشيخ بشير، مبتسما : طبعاً، نحن نقدم نموذج فريد من نوعه للعالم وقد اثنى عليه قداسة البابا يحنا بولس الثاني في الارشاد الرسولي بعد زيارته الى لبنان. يجب ان نحافظ عليه

السيّد حسن، بحماس: وأخيراً نتفق على شيء؛ صحيح لبنان رسالة فريدة من نوعها للتعايش ويجب على هذا الامر ان يتعزز. انظر الينا هنا كيف تصارحنا واخيرا وجدنا عدة قواسم مشتركة مهمة وعميقة. فالعيش المشترك في لبنان امر حتمي وعلى اهلنا فهم ذلك: فليتحاوروا ويتصارحوا وثم يتصالحوا ويجدوا صيغة للعيش معاً كما فعلنا نحن هنا وذلك تمجيداً لاسم الرب سبحانه وتعالى الذي اراد وسمح التنوع؛ فمن نحن للتمرد على ارادته؟ وهل عليهم ان يستشهدوا للوصول الى دنيا الحق لفهم ذلك؟ ما ماتوا، ما شافوا مين مات؟

(صمت طويل. من بعيد، ضجيج مدينة. أبواق سيارات، النازحين، أذان، أجراس.اصوات القصف والطيران)

السيد حسن، يهمس: تسمع؟

الشيخ بشير : نعم. نفس الضجيج الذي كان في 82.

السيّد حسن بصوت خافت : إذًا لقد فشلنا جميعًا. اتمنى يا شيخ بشير واطلب واصلي من كل قلبي ان كل من يسمعنا ان يمتثل فينا وان يتعظ وان يتحد اللبنانيون لبناء وطن جديد لان كل شيء غير ذلك يؤدي الى الخراب

الشيخ بشير، متأملا : ربما لا تزال لدينا فرصة، نعم فلنتحد لاجل لبنان…

الشيخ بشير بنظرة اخيرة بمزيج من المزاح والجدية : لكن يا ابو هادي، كلمة أخيرة. ذكرت مرة أن لديك مئة ألف مقاتل. لا تنسَ ما قلته انا يومًا: نحن قديسو هذا الشرق وشياطينه ، نحن نوره وناره….
لا تنسَ ذلك أبدًا.

السيد حسن ضاحكاً: ان عدتم عدنا!…