المصدر: لوريان لوجور
الكاتب: منير يونس
الخميس 14 أيار 2026 13:37:42
عاد ملف استقلالية مصرف لبنان وحوكمة القطاع المالي إلى واجهة النقاش السياسي والاقتصادي، على وقع تقرير داخلي أعدّه صندوق النقد الدولي، تضمّن تشخيصاً قاسياً لبنية النظام المالي اللبناني والثغرات التي سمحت، بحسب التقرير، بتراكم الانهيار المالي وتضارب الصلاحيات داخل مصرف لبنان.
التقرير، الذي اطّلعت عليه «لوريان لو جور»، يتزامن مع استعداد لجنة المال والموازنة النيابية لمناقشة تعديلات جديدة على قانون إعادة هيكلة المصارف، كانت الحكومة قد أقرتها في نيسان الماضي استجابة لملاحظات صندوق النقد الذي اعتبر النسخة السابقة غير مطابقة للمعايير الدولية المطلوبة.
وبحسب مصادر نيابية، فإن حاكم مصرف لبنان كريم سعيد يستعد لخوض معركة جديدة داخل المجلس النيابي دفاعاً عن صلاحيات المصرف المركزي، بعدما كان قد أبدى تحفظه على بعض التعديلات، ولا سيما تلك المتعلقة بتوسيع صلاحيات الهيئة المصرفية العليا وإعادة توزيع الأدوار بين مصرف لبنان والهيئات الرقابية.
انتقاد مباشر لقانون النقد والتسليف
يركّز التقرير بشكل أساسي على قانون النقد والتسليف، الذي يعتبره صندوق النقد غير متوافق مع أفضل المعايير الدولية الحديثة، وخصوصاً المادة 70 التي تحدد مهام مصرف لبنان وصلاحياته.
ويرى التقرير أنّ الصياغة الحالية فضفاضة وتتيح تفسيرات واسعة سمحت للمصرف المركزي سابقاً بتنفيذ سياسات «الهندسات المالية» التي اعتُبرت من أبرز أسباب الانهيار المالي. كما ينتقد عدم وجود فصل واضح بين أهداف الاستقرار النقدي والمالي وبين المهام الأخرى التي يمارسها المصرف المركزي.
ويطالب صندوق النقد بإعادة النظر جذرياً في بنية الحوكمة المالية، من خلال إعادة توزيع الصلاحيات بين مصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف والهيئة المصرفية العليا، إضافة إلى تعزيز الطابع الجماعي في اتخاذ القرارات والحد من تركّز السلطة بيد الحاكم.
تركّز مفرط للصلاحيات
ويعتبر التقرير أنّ حاكم مصرف لبنان يتمتع عملياً بصلاحيات واسعة جداً، في ظل غياب آليات واضحة للرقابة الداخلية أو اتخاذ القرار الجماعي.
فالحاكم يرأس في الوقت نفسه المجلس المركزي لمصرف لبنان، والهيئة المصرفية العليا، وهيئة التحقيق الخاصة المعنية بمكافحة تبييض الأموال، إضافة إلى هيئة الأسواق المالية، ما يخلق، بحسب التقرير، تركّزاً مفرطاً للسلطة داخل مؤسسة واحدة.
كما ينتقد التقرير آلية عمل لجنة الرقابة على المصارف، إذ تُرفع تقاريرها الأساسية مباشرة إلى الحاكم أو إلى الهيئة المصرفية العليا التي يرأسها أيضاً، ما يضعف استقلالية الرقابة المصرفية.
وفي ما يتعلق بهيئة التحقيق الخاصة، يشير التقرير إلى أنّ الحاكم يتمتع بصلاحيات شبه حصرية في طلب المعلومات من الجهات القضائية والأمنية والمالية اللبنانية والخارجية، داعياً إلى تعديل هذه الآلية بما ينسجم مع المعايير الدولية.
انتقاد لغياب الشفافية
ويتوقف التقرير عند توسّع استثمارات مصرف لبنان في شركات ومؤسسات خارج دوره التقليدي كمصرف مركزي، مثل طيران الشرق الأوسط وإنترا للاستثمار وشركات عقارية وخدماتية أخرى.
ويرى صندوق النقد أنّ هذه الاستثمارات تفتقر إلى إطار قانوني واضح وإلى معايير شفافية كافية، مشيراً إلى غياب التدقيق الخارجي المنتظم وعدم نشر الحسابات المالية لبعض هذه المؤسسات.
كما ينتقد التقرير السياسات المحاسبية التي اعتمدها مصرف لبنان خلال السنوات الماضية، معتبراً أنّها ساهمت في إخفاء الخسائر الحقيقية وتأجيل الاعتراف بها، ولا سيما تلك الناتجة عن الهندسات المالية.
ولهذا يدعو صندوق النقد إلى تعيين مدقق حسابات خارجي مستقل لمصرف لبنان، وتعزيز أنظمة التدقيق الداخلي وفق المعايير الدولية.
استقلالية نعم… ولكن مع محاسبة
ورغم الانتقادات الواسعة، لا يدعو التقرير إلى تقليص استقلالية مصرف لبنان بقدر ما يطالب بإعادة تنظيمها وضبطها بآليات رقابية ومؤسساتية أكثر فعالية.
فصندوق النقد يرى أنّ استقلالية المصرف المركزي ضرورية، لكنه يعتبر أنّ هذه الاستقلالية يجب أن تترافق مع قواعد صارمة للشفافية والمحاسبة ومنع تضارب المصالح.
كما يوصي التقرير بإلزام الحاكم ونوابه بالتصريح عن أي تضارب محتمل في المصالح، وتوسيع آليات مساءلة المسؤولين النقديين وإقالتهم عند الضرورة.
وفي خلفية هذا النقاش، تبدو المعركة أبعد من مجرد تعديل قانون أو إعادة توزيع صلاحيات، إذ ترتبط عملياً بمستقبل النظام المالي اللبناني كله، وبقدرة لبنان على إقناع المجتمع الدولي وصندوق النقد بأنه مستعد فعلاً لإعادة بناء مؤسساته المالية وفق معايير حديثة وشفافة، بعد أكثر من ست سنوات على بدء الانهيار الاقتصادي.