المصدر: beirut times
الكاتب: فرانسوا الجردي
الأربعاء 13 أيار 2026 16:51:47
في الدول الطبيعية، عندما تتعرّض جماعة سياسية أو عسكرية لهزيمة ميدانية أو لانتكاسة استراتيجية، تُجري مراجعة نقدية لتجربتها، تعترف بالأخطاء، وتبحث عن سبل حماية مجتمعها ووطنها من المزيد من الانهيار. أمّا في لبنان، فالمشهد يبدو مختلفًا وأكثر خطورة. فبدل أن تتحوّل الكارثة إلى فرصة للمراجعة، يجري تحويلها إلى منصة جديدة للتهديد الداخلي والتخوين وبث الرعب في نفوس اللبنانيين.
ما نشهده اليوم على مواقع التواصل الاجتماعي من تهديدات مباشرة بالقتل والتصفية بحق المعارضين والسياديين والصحافيين وأصحاب الرأي، ليس تفصيلًا عابرًا ولا مجرد “فورة غضب إلكترونية”، بل هو انعكاس لأزمة عميقة يعيشها جمهور وقادة محور السلاح بعد التحولات العسكرية والأمنية القاسية التي أصابتهم في الجنوب.
ولم تعد هذه الحملات تستهدف فقط الأصوات المعارضة التقليدية، بل باتت تطال بشكل يومي شخصيات سياسية تمثل شريحة واسعة من اللبنانيين، وفي مقدمتهم رئيس حزب الكتائب اللبنانية سامي الجميل، الذي يتعرض بشكل مستمر لحملات تخوين وتهديد مباشر وتحريض منظم عبر حسابات إلكترونية تدور في فلك حزب الله وحلفائه، فقط لأنه يطالب بالدولة وبحصرية السلاح وباحترام الدستور والسيادة اللبنانية. وهذا الأمر لا يمكن اعتباره خلافًا سياسيًا طبيعيًا، بل محاولة واضحة لترهيب كل من يجرؤ على التعبير عن رأي مخالف.
فالواقع الميداني لا يمكن تجاهله أو تغطيته بالشعارات. الجنوب اللبناني دفع ثمنًا هائلًا: قرى مدمّرة، عائلات مشرّدة، بنى تحتية محطّمة، واقتصاد منهار. وفي المقابل، لم يتمكن خطاب الردع من حماية الناس ولا من منع الاختراقات الأمنية والعسكرية الإسرائيلية المتكررة. بل إن التطور التكنولوجي والاستخباراتي والجوي الإسرائيلي كشف حجم الاختلال في موازين القوى، وأظهر أن لبنان زُجّ في مواجهة غير متكافئة دفع ثمنها المدنيون قبل أي جهة أخرى.
لكن الأخطر من كل ذلك، هو انتقال هذا الإحباط من الجبهة إلى الداخل اللبناني. فعندما يشعر أي تنظيم بالعجز عن تحقيق أهدافه الخارجية، غالبًا ما يلجأ إلى شدّ العصب الداخلي وإعادة إنتاج قوته عبر التخويف والترهيب. لذلك نرى اليوم لغة متفلّتة تُمارس بحق كل من يطالب بالدولة أو ينتقد الأداء أو يدعو إلى حصرية السلاح بيد الشرعية.
إن التهديد بالقتل ليس رأيًا سياسيًا، والتحريض ليس حرية تعبير، والتخوين ليس بديلًا عن النقاش الوطني. والأخطر أن هذه اللغة لم تعد تستهدف فقط خصوم الحزب التقليديين، بل طالت أيضًا مؤسسات الدولة نفسها، من رئاسة الجمهورية إلى رئاسة الحكومة، وكل شخصية تجرؤ على المطالبة بتطبيق الدستور أو حماية السيادة اللبنانية.
وهنا تكمن المعضلة الأساسية: فالدولة لا يمكن أن تقوم في ظل وجود منطق يعتبر أن السلاح أعلى من المؤسسات، وأن الاعتراض خيانة، وأن أي نقد يُقابل بالترهيب المعنوي أو الأمني. فلبنان لا يُبنى بالخوف، ولا يمكن إنقاذه بمنطق الفوقية والاستقواء على الداخل فيما البلد ينهار ماليًا واجتماعيًا وسياديًا.
لقد أثبتت التجارب أن فائض القوة في الداخل لا يصنع انتصارًا في الخارج. بل على العكس، فإن تحويل لبنان إلى ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية أدى إلى عزله عربيًا ودوليًا، وضرب اقتصاده، ودفع شبابه إلى الهجرة، وتفكيك ما تبقى من مؤسساته.
والمفارقة المؤلمة أن من يدفع الثمن الأكبر اليوم هم أبناء البيئة نفسها التي قيل لها لعقود إن السلاح يحميها. فالحماية الحقيقية لا تكون بتعريض الناس للحروب المتكررة، بل ببناء دولة قوية، وجيش موحد، ودبلوماسية فاعلة، واقتصاد منتج، وعلاقات طبيعية مع العالم العربي والمجتمع الدولي.
إن لبنان يقف اليوم أمام مفترق خطير: إمّا العودة إلى منطق الدولة والمؤسسات والدستور، وإمّا استمرار الانحدار نحو مجتمع تحكمه الغرائز المسلحة وثقافة التخوين والانتقام. فلا يمكن لأي وطن أن يعيش طويلًا تحت ضغط التهديد الدائم، ولا يمكن لأي مشروع سياسي أن ينجح إذا كان بقاؤه قائمًا على إسكات الناس بالخوف بدل إقناعهم بالحجة.
اللبنانيون لا يريدون حروبًا جديدة، ولا يريدون مزيدًا من الدمار والخراب والتهجير. يريدون دولة تحمي الجميع بالتساوي، لا دويلات متصارعة، ويريدون مستقبلًا لأبنائهم لا ساحات إضافية للدم والرماد.