المصدر: النهار
الاثنين 7 أيلول 2026 12:23:29
كتب عبدالله ناصر الدين في النهار
لم تعد قضية الأمن الغذائي في لبنان مجرد ملف اقتصادي يُبحث في أروقة الوزارات والمنظمات الدولية، بل باتت قضية وطنية وسيادية تمس قدرة الدولة على حماية شعبها واستقرارها. فحين تُقتلع الأشجار، وتحترق البساتين، وتتضرر الأراضي الزراعية، وينزح مئات الآلاف من المواطنين، فإن الضرر لا يصيب القطاع الزراعي وحده، بل يطال منظومة الغذاء بأكملها، من الحقل إلى السوق، ومن المنتج إلى المستهلك.
وتكشف الأرقام الواردة في تقرير للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات – بيروت حجم الأزمة. فقد بلغ عدد النازحين داخلياً نحو 1.1 مليون شخص، أي ما يقارب الـ 20% من سكان لبنان. وفي المقابل، يواجه نحو 725 ألف لبناني، أي 19% من السكان، مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد، ضمن المرحلة الثالثة من التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، وهي مرحلة "الأزمة" التي تستوجب تدخلاً عاجلاً.
هذه الأرقام لا تأتي في فراغ؛ فأسعار الغذاء ارتفعت بنحو 20% مقارنة بالعام الماضي، فيما يواجه الاقتصاد اللبناني أزمة مزمنة في القدرة الشرائية، ما يعني أن شريحة متزايدة من اللبنانيين باتت أمام معادلة قاسية: غذاء أكثر كلفة، ودخل أقلّ قدرة على مواكبة ارتفاع الأسعار.
لكن الخطر الأكبر يكمن في الجهة الأخرى من المعادلة: الإنتاج المحلي.
فالزراعة اللبنانية، التي لطالما شكّلت إحدى ركائز الاقتصاد الريفي وشبكة الأمان الاجتماعي في المناطق اللبنانية، دفعت ثمناً باهظاً نتيجة الحرب. وتشير البيانات إلى تضرر نحو 56,264 هكتاراً من المساحات الزراعية، فيما بلغت المساحات المتضررة في جنوب لبنان نحو 18,559 هكتاراً. والأكثر دلالة أن نحو 4,308 هكتارات إضافية تضررت خلال أسبوعين فقط بعد إعلان وقف إطلاق النار الشكلي الذي جرى إعلانه، في مؤشر يكشف أن آثار الحرب لا تتوقف بالضرورة عند لحظة توقف العمليات العسكرية.
والخسارة ليست مجرد أرقام لمساحات من الأرض؛ فالزيتون أحد أهم رموز الزراعة اللبنانية، وأحد أهم المنتجات الزراعية والتصديرية، تلقى ضربة قاسية، إذ تشير البيانات إلى تضرر نحو 18,406 هكتارات من أشجار الزيتون في مختلف الأراضي اللبنانية، بينها 17,871 هكتاراً في الجنوب. كذلك، تضرر نحو 8,460 هكتاراً من أشجار الحمضيات، واحترق 2,154 هكتاراً من البساتين خلال عام 2024.
أما الثروة النحلية، التي ترتبط مباشرة بالتنوع البيولوجي وإنتاج العسل وتلقيح المحاصيل، فلم تكن بمنأى عن الخسائر، مع تدمير أكثر من 50 ألف خلية نحل، إضافة إلى تضرر نحو 5 آلاف هكتار من الغطاء الحرجي.
وهنا تبرز مشكلة أخطر من الخسارة الاقتصادية المباشرة: ماذا عن صلاحية الأرض للإنتاج مستقبلاً؟
تشير الدراسات التي جرى الإعلان عنها، ونشرها المركز العربي، إلى أن نحو 45% من عينات التربة تجاوزت عتبة الـ 50 جزءاً بالمليون من الكروميوم، ما يضع مسألة التلوث البيئي والكيميائي في صلب أي خطة لإعادة تشغيل الأراضي الزراعية المتضررة؛ فإعادة المزارع إلى أرضه لا تعني بالضرورة أن الأرض أصبحت صالحة للزراعة، بل تحتاج إلى فحوص علمية دقيقة للتربة والمياه والمحاصيل، وإلى برنامج مراقبة طويل الأمد.
اقتصادياً، قُدرت كلفة الحرب على القطاع الزراعي بنحو 800 مليون دولار حتى منتصف نيسان 2026، إلا أن القيمة الحقيقية للخسارة تتجاوز هذا الرقم، لأن تدمير شجرة مثمرة أو بستان أو خلية نحل يعني خسارة إنتاجية تمتد لسنوات، لا لموسم واحد فقط.
من هنا، يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: هل ينجو أمن لبنان الغذائي من الانهيار؟
الإجابة لن تحددها المساعدات الغذائية وحدها، ولا الاستيرادات المفتوحة، بل قدرة الدولة على إعادة بناء قدرتها الإنتاجية. المطلوب خطة وطنية عاجلة تبدأ بتعويض المزارعين، وإعادة تأهيل الأراضي وشبكات الريّ، وفحص التربة والمياه، وإعادة تكوين الثروة الحيوانية والنحلية، وتأمين مستلزمات الإنتاج، ودعم الصناعات الغذائية وسلاسل التسويق والتصدير.
فالأمن الغذائي ليس أن نملك المال لشراء الغذاء من الخارج، بل أن نملك الأرض القادرة على إنتاجه، والمزارع القادر على زراعتها، والدولة القادرة على حمايتهما.
وإذا كانت الحرب قد استهدفت الحجر والبشر، فإن ترك القطاع الزراعي من دون خطة إنقاذ يعني السماح بأن تمتد تداعياتها إلى رغيف اللبناني ولقمته وسيادته الغذائية، بينما حجم الأزمة يتخطى صلاحيات وزارة الزراعة ويجب التعامل معه ككارثة وطنية. وفي بلد يستورد جزءاً كبيراً من حاجاته الغذائية، فإن خسارة الأرض ليست خسارة زراعية فحسب، إنها خسارة في الأمن الوطني نفسه وتهديد لأمنه الغذائي.