حين تقاس المشاعر بسعر الصرف... عيد الحب في لبنان مناسبة للاحتفال أم عبء اقتصادي؟

مع اقتراب الرابع عشر من شباط، ترتدي الأسواق في مختلف أنحاء العالم ثوبها الأحمر، معلنة حلول عيد الحب أو الـ "فالنتاين" ، الذي بات عند الكثيرين فسحة أمل عابرة، أو حاجة نفسية الى النجاة من ثقل الويلات اليومية.

وفي لبنان لا يمر هذا العيد بخفة رمزيته المعتادة، فخلف الورود الحمراء والهدايا، تختبئ أسئلة اجتماعية واقتصادية ثقيلة، هل ما زال عيد الحب مناسبة للاحتفال والتعبير عن المشاعر؟ أم تحول إلى عبء إضافي، في بلد يرزح تحت أزمات معيشية خانقة تثقل كاهل الأفراد، وتعيد تعريف الأولويات، وتفرض واقعا جديدا على الأفراد ؟

"فالنتين" من ذاكرة دينية

الى موسم استهلاكي

يشار إلى أن أن القديس "فالنتين"Valentinus ، هو قديس روماني من القرن الثالث الميلادي، واسمه يعني "القوي أو الصحي"، مشهور بعيد الفالنتين أو عيد الحب أو العشاق، والذي يحتفل باسمه في 14 شباط من كل سنة.

والاحتفال بعيد الحب بدأ منذ منتصف القرن التاسع عشر، حينما حوّل التجار الأميركيون تقليدا دينيا شعبيا لإحياء ذكرى القديس فالنتين، إلى مناسبة تجارية واسعة الانتشار، سرعان ما عبرت القارات وتحوّلت إلى موسم استهلاكي بامتياز.

الحكاية الأقرب لـ "فالنتاين"

ليس هناك حكاية حقيقية ثابتة عن هذا القديس "فالنتاين" حتى الآن، فحكايته تختلف من منطقة إلى أُخرى، لكن الحكاية الأقرب أن فالنتين كان كاهنا مسيحيا، وكان يزوج العشاق المسيحيين فيما بينهم، حيث كان سر الزواج في المسيحية موجودا في ذلك الوقت. ولأن المسيحية كانت ممنوعة في الإمبراطورية الرومانية، فقد كان يعاقب على كل من يمارس أحد أسرار الكنيسة، وبسبب ذلك اعتقلته السلطات الرومانية وحكمت عليه بالإعدام. فاشتهر منذ ذلك الوقت بأنه شهيد الحب والعشاق، لأنه ضحى بحياته لأجل سر الزواج.

الحب بين الفكرة والكلفة

وبين الحب كفكرة والحب ككلفة، لم يعد عيد الحب في لبنان مجرد مناسبة عاطفية، بل تحول إلى اختبار اجتماعي واقتصادي.

فبالنسبة للتجار هو موسم قصير يحاولون من خلاله كسر الجمود، ولو بهوامش ربح محدودة، أما بالنسبة للمواطنين فهو موعد إضافي للاصطدام بواقع القدرة الشرائية المتآكلة.

الورد الأحمر "العين بصيرة

واليد قصيرة"

ورغم أن الورد ولا سيما الأحمر، يعد العنوان الأبرز لعيد الحب، يؤكد أصحاب محال الورود أن الطلب يرتفع في الأيام التي تسبق العيد، لكنه لم يعد بالحجم الذي كان عليه قبل أعوام.

صاحب محل ورد في جل الديب يقول "ما فينا نقول الحركة منيحة متل قبل، الناس بعدها بتحب تشتري، بس بتسأل كتير عن السعر، وأغلب الطلبات صارت على وردة وحدة، أو بوكيه صغير، مش لأنو الذوق تغير، بس لأنو الجيبة ما بقى تتحمل".

واشار إلى "أن كلفة الاستيراد والنقل والمواد الأولية، انعكست مباشرة على الأسعار، ما دفع كثيرين إلى تقليص حجم الباقات، أو الاستغناء عن الإضافات مثل الشوكولا والدمى".

الحب من دون كلفة

بدوره، مشهد الهدايا تغير، فالدمى الكبيرة والهدايا الفاخرة لم تعد الخيار الأول، مقابل إقبال لافت على الهدايا الرمزية، كعلب شوكولا صغيرة وأكواب و شموع، أو بطاقات مكتوبة بخط اليد.

صاحبة متجر إكسسوارات تقول "صحيح الوضع صعب، بس في ناس بعدها مقتنعة إنو الحب ما بدو مصاري. في زباين بيجوا يشتروا قطعة صغيرة، بس ليقولوا أنا تذكرت، وهيدا بحد ذاتو شي حلو. بتحس إنو بعد في مساحة للفرح بهالبلد، والعيد بالنسبة إلنا رسالة أكتر ما هو موسم".

ويشير صاحب متجر هدايا في برمانا أن " بعض الناس صارت تعتبر الهدية تعبيرا معنويا مش ماديا، بطاقة حلوة أو شي بسيط صار يكفي".

الحب بالأرقام

وتشير تقديرات السوق الإلكتروني في لبنان لعام 2025 ، إلى أن حجم مبيعات الورود والهدايا وصل نحو 0.5 مليون دولار، وهو رقم صغير مقارنة بالأسواق العالمية، لكنه يعكس استمرار الطلب على هذه الفئة، رغم تراجع القدرة الشرائية.

أما على المستوى الإقليمي، فتشير إحصاءات منصة Flowwow إلى أن الطلب على الورود يرتفع بنسبة 550% مقارنة بالمعدل الشهري العادي، فيما تزيد مبيعات الهدايا الرمزية بنسبة تقارب 15%.

وتوضح هذه الأرقام أن الورود تبقى العنصر الأكثر طلبا خلال موسم عيد الحب، بينما تميل الأسر والمستهلكون إلى اختيار الهدايا الرمزية والبسيطة، بدل الدمى والهدايا الفاخرة، تمشيًا مع الظروف الاقتصادية الراهنة.

الحب مناسبة طبقية بامتياز

وفي قطاع المطاعم، يؤكد هاني مديرمطعم في انطلياس أن "سهرات هذا العيد تبدأ في 13 شباط لتتجاوز 22 منه، وهذا الإجراء من قبل المقاهي والمطاعم، يوفر للبنانيين سهرات بتكلفة أقل. فالاحتفاء بالعيد قبل موعد وصوله أو بعده بأيام، ينعكس إيجابًا على أسعار البطاقات"، مضيفا "تتراوح تكلفة تناول العشاء ضمن سهرة غنائية ما بين 30 و50 دولارا، في حين ترتفع إلى الضعف وأحيانا أكثر يوم العيد والذي يليه".

ويشير "رغم العروض التي تطلقها المطاعم في هذه المناسبة، إلا أن الإقبال لا يشبه السنوات الماضية، فالحجوزات موجودة لكن العدد أقل، وغالبا من فئة محددة قادرة على تحمل الكلفة، ما يجعل عيد الحب مناسبة طبقية بامتياز".

يشار إلى أن اسعار الحفلات تبدأ من 50 دولارًا للشخص الواحد، وترتفع حسب الفئة لتصل احيانا إلى أكثر من 200 دولار للشخص الواحد. أما بالنسبة إلى الورود في السوق اللبنانية، وخصوصا قبل ايام من عيد الفالنتاين، فتختلف من متجر إلى آخر، حيث تبدأ بـ7دولارات للوردة الواحدة ، وصولا إلى 500 دولار وأكثر حسب الطلب. أما دمية الدب الأحمر فيتراوح سعرها ما بين 30 و150 دولارًا.

القلق المعيشي يتقدم على الاحتفال

واقع المواطنين لا يقل قسوة، فالقلق المعيشي يتقدم على الرغبة بالاحتفال، حيث تتنوع الآراء بين الرفض والتكيف والقبول. فالاحتفال هذا العام يختلف عن السنوات الماضية، بسبب الأزمة الاقتصادية وتضخم الأسعار، التي أثرت في قدرة الناس على شراء الهدايا والذهاب للعشاء خارج المنزل.

تقول شيرين وهي موظفة بالقطاع الخاص" أنا مش ضد عيد الحب، بس لما الراتب يخلص قبل نص الشهر، بصير الاحتفال رفاهية"، وتضيف "برأيي الشخصي "الحب ما إلو يوم".

وتؤكد لميا وهي متزوجة منذ 5 سنوات أن "الضغط النفسي صار أكبر من الفرح، فالمجتمع بيفرض عليك تحس حالك مقصر إذا ما عملت شي"، مضيفة "أفضل العشاء في المنزل أو في مكان بسيط بدل المطاعم الفاخرة، لأن التكلفة في المطاعم قد تتراوح بين 50 و300 دولار أو أكثر لشخصين في ليلة العيد".

وتقول زينة وهي طالبة جامعية "أنا بحب عيد الحب وما بحسو عبء، رسالة حلوة أو قعدة قهوة بتكفي".

ويشاطرها الرأي سامر ابن العشرين عاما، فيقول "برأيي المشكلة مش بالعيد، المشكلة كيف عم نتعامل معه إذا بدنا نعيدو على قدنا ليش لأ؟ بالعكس الناس محتاجة شي يفرحها".

الحب في زمن الازمات

لم يعد عيد الحب في لبنان مجرد مناسبة عاطفية، تختصر بوردة حمراء أو علبة شوكولا، بل تحول إلى مرآة تعكس التحولات العميقة في المجتمع، حيث يفرض تراجع القدرة الشرائية واقعا جديدا على الأفراد ، وتتبدل أنماط الاستهلاك تبعا للأولويات الضاغطة ، فيما يعاد تعريف معنى الحب والاحتفال في ظل الأزمات المتراكمة، وبين من يتمسك بالرابع عشر من شباط كفرصة نادرة، لكسر قسوة الأيام والاحتفاء بالمشاعر رغم كل شيء، ومن يراه ترفا مؤجلا أمام متطلبات المعيشة القاسية، يبقى هذا اليوم مساحة رمزية يتقاطع فيها الاقتصاد مع العاطفة، وتقاس فيها المشاعر بميزان الواقع لا الرغبة.