حين قالت بغداد: الخليج عربي

في السياسة، بعض الصور تقول أكثر مما تقوله البيانات. صورة محمد باقر قاليباف في بغداد أمام خريطة تحمل تسمية «الخليج الفارسي»، ثم صورة هيبت الحلبوسي أمام خريطة تحمل تسمية «الخليج العربي»، تختصران في مشهد واحد مساحة التوتر التي تحيط بالعلاقة العراقية ـ الإيرانية، وتكشفان أن الجغرافيا لا تزال حاضرة بقوة في رسم مواقف الدول.

لم يكن اختيار الخريطة تفصيلاً عابراً. قاليباف جاء إلى بغداد في زيارة رسمية بحث خلالها مع المسؤولين العراقيين العلاقات الثنائية والتطورات الإقليمية، والتقى الحلبوسي في البرلمان. وبعد ساعات من ظهور صورته، نشر رئيس مجلس النواب العراقي صورته أمام خريطة تحمل تسمية «الخليج العربي». تحولت الصور سريعاً إلى محور التغطية الإعلامية، لكن ما يستحق التوقف عنده يتجاوز التسمية نفسها.

ففي اللقاء، دعا الحلبوسي إيران إلى مراعاة طبيعة العلاقة بين البلدين، وأن تكون للعراق خصوصية في تصدير النفط عبر مضيق هرمز بما يحفظ مصالحه الاقتصادية. قد تبدو العبارة اقتصادية، لكنها تحمل معنى سياسياً واضحاً: بغداد لا تريد أن تتحول جغرافيتها إلى عبء على اقتصادها، ولا أن يصبح نفطها جزءاً من حسابات صراع لا تملك قرار اندلاعه أو وقفه.

وهنا تكتسب صورة «الخليج العربي» معناها الأوسع.

العراق هو الدولة العربية الأكثر التصاقاً بإيران جغرافياً، والأكثر تعرضاً لتداخل النفوذين العربي والإيراني في آن واحد. حدوده الشرقية الطويلة تجعل العلاقة مع طهران أمراً لا يمكن تجاوزه، فيما هويته العربية وموقعه في النظام الإقليمي يجعلان انفصاله عن محيطه العربي أمراً مستحيلاً. وبين هذين البعدين تحاول بغداد أن تعيد تعريف موقعها.

العراق لا يستطيع تغيير الجغرافيا، لكنه يستطيع تحديد كيفية التعامل معها.

فالعلاقة مع إيران لا تعني بالضرورة تبني الرواية الإيرانية في كل قضية، كما أن الانتماء العربي لا يفرض على بغداد الدخول في مواجهة مع طهران. الدولة التي تبحث عن هامش قرار مستقل تحتاج إلى أن تدير علاقاتها على أساس المصالح، لا على أساس الاصطفاف الكامل مع أي محور.

من هذه الزاوية، يصبح ظهور «الخليج العربي» من بغداد أكثر دلالة من ظهور التسمية نفسها في عاصمة خليجية. فالصورة جاءت من بلد تربطه بإيران حدود ومصالح وملفات أمنية واقتصادية معقدة. ولذلك فإن الرسالة، إذا قرئت سياسياً، لا تبدو موجهة إلى الخارج العربي وحده. إنها موجهة أيضاً إلى الداخل العراقي وإلى الجار الإيراني: للعراق هويته وموقعه وحسابه الخاص.

وتزداد دلالة المشهد عندما نضعه إلى جانب هرمز.

مضيق هرمز ليس قضية إيرانية منفصلة عن العراق. إنه طريق حيوي للطاقة، والعراق الذي يعتمد اقتصاده بدرجة كبيرة على النفط معني مباشرة بأمن طرق التصدير. ولهذا لم يكن طلب الحلبوسي «خصوصية» للعراق في تصدير النفط عبارة بروتوكولية، بل تعبيراً عن مصلحة اقتصادية ترتبط مباشرة بالسيادة وبقدرة الدولة على حماية موردها الأساسي.

هنا تظهر أهمية الموقع العراقي.

بغداد لا تنظر إلى الخليج من المسافة نفسها التي تنظر منها طهران، ولا من المسافة نفسها التي تنظر منها العواصم الخليجية. العراق موجود في نقطة التقاء المجالين، وهو بحكم موقعه معني بأي تغير في العلاقة بين إيران ودول الخليج، وبأي أزمة تمس هرمز، وبأي تحول في حركة النفط والطاقة.

لهذا لا يمكن فصل مسألة الاسم عن مسألة الموقع.

التسمية تحمل تاريخاً ورواية وهوية، لكن الجغرافيا التي تقع خلفها تفرض مصالح أكثر صلابة. ومن يراقب المشهد العراقي يدرك أن بغداد لا تواجه قضية واحدة، بل مجموعة من الأسئلة المتشابكة حول موقعها في المنطقة: علاقتها بإيران، علاقتها بالعالم العربي، أمنها الاقتصادي، سيادتها على قرارها، ودورها في النظام الإقليمي الذي يتشكل من جديد.

في هذا السياق، تصبح صورة الحلبوسي أكثر من رد بصري على صورة قاليباف.

إنها تذكير بأن العراق، مهما كانت علاقته الوثيقة بإيران، لا يزال يرى نفسه جزءاً من المجال العربي. والأهم أنها جاءت في لحظة تطلب فيها بغداد من طهران أن تراعي خصوصيتها في قضية شديدة الحساسية، هي تصدير النفط عبر هرمز.

المعادلة دقيقة: العراق يحتاج إلى إيران، لكنه يحتاج أيضاً إلى أن يبقى عراقاً. يحتاج إلى علاقات اقتصادية وأمنية مع جاره الشرقي، لكنه لا يستطيع أن يدفع ثمن هذه العلاقة من موقعه العربي أو من مصالحه الاقتصادية. وكلما ازدادت حدة الاستقطابات الإقليمية، ازدادت صعوبة المحافظة على هذه المسافة.

لذلك تبدو بغداد اليوم أمام محاولة لإدارة التوازن، لا أمام اختيار طرف على حساب آخر.

وهذا ما يجعل حادثة الخريطة أكثر أهمية من عمرها القصير على منصات التواصل. فقد ظهرت في لحظة تختلط فيها الجغرافيا بالاقتصاد والسياسة والأمن. ومن خلف اسم الخليج يبرز هرمز، ومن خلف هرمز يظهر النفط، ومن خلف النفط تظهر مسألة القرار العراقي.

أما الخليج نفسه، فسيبقى أكبر من أن تختصره صورة أو تسمية.

فالمياه التي تمتد بين إيران والدول العربية تحمل تاريخاً طويلاً من التنافس والتجارة والحروب والتحالفات، لكن قيمتها اليوم تتجاوز كل ذلك. الطاقة تمر من هنا، والممرات البحرية تمر من هنا، والقوى الإقليمية والدولية تحسب نفوذها هنا. ولهذا فإن أي محاولة لقراءة الخليج بعيداً عن موازين القوة تبدو ناقصة.

إذا كان قاليباف قد ظهر في بغداد أمام «الخليج الفارسي»، فإن الحلبوسي اختار أن يظهر أمام «الخليج العربي». قد تبدو المسألة في ظاهرها مجرد اختلاف في المصطلح، لكنها في العمق تعكس اختلافاً في موقع الدولة من الرواية الإقليمية.

بغداد لا تحتاج إلى قطع الطريق مع طهران كي تقول إنها عربية، كما لا تحتاج إلى الدخول في خصومة مع إيران كي تحمي مصالحها. ما تحتاجه هو أن يكون لها موقعها الخاص في المنطقة، وأن تبقى قراراتها مرتبطة بمصالحها الوطنية.

من بغداد، لذلك، لا تبدو تسمية «الخليج العربي» مجرد عبارة على خريطة.

إنها رسالة سياسية تقول إن العراق، مهما تشابكت مصالحه مع إيران، لا يريد أن يكون مجرد مساحة نفوذ في حسابات الآخرين.

فحين ظهرت خريطة الخليج العربي خلف رئيس البرلمان العراقي، لم تكن بغداد تغيّر اسم الخليج؛ كانت تذكّر الجميع بأن لها مكاناً خاصاً على الخريطة.