المصدر: Kataeb.org
الكاتب: زخيا زغيب
الثلاثاء 3 تشرين الثاني 2026 11:42:36
في المفاوضات مع إسرائيل، لا تقتصر أوراق القوة على الميدان أو على ما يحمله الوفد اللبناني إلى طاولة التفاوض، بل تبدأ أيضاً من بيروت، من مدى تماسك الموقف الداخلي، ومن حجم الغطاء السياسي الذي يحظى به المفاوض باسم الدولة اللبنانية. فكلما كان الموقف اللبناني موحّداً، ازدادت قدرة الدولة على الدفاع عن مصالحها وانتزاع حقوقها، وكلما تعدّدت الأصوات وتناقضت الرسائل، اتّسعت مساحة المناورة أمام الطرف الإسرائيلي، الذي لا يحتاج إلى جهد كبير لاستثمار الانقسام اللبناني لمصلحته.
من هنا، لا يمكن التعامل مع المفاوضات باعتبارها معركة رئيس الجمهورية جوزاف عون أو الحكومة أو الوفد المفاوض وحدهم، بل باعتبارها استحقاقاً وطنياً يتصل بمصير لبنان وأرضه وسكانه وسيادته. فرئيس الجمهورية ليس طرفاً سياسياً يتفاوض لحساب فريق، بل هو رأس الدولة، والمفاوضة في عقد المعاهدات الدولية من صلاحياته الدستورية بموجب المادة 52، بالاتفاق مع رئيس الحكومة، على أن تخضع المعاهدات لموافقة مجلس الوزراء، وبعضها لموافقة مجلس النواب. وهذا يعني أن المسار التفاوضي، في جوهره، مسار مؤسساتي تتكامل فيه السلطات الدستورية، لا ساحة يتنازع فيها السياسيون على من يرفع صوته أكثر.
وليس تفصيلاً أن الرئيس جوزاف عون انتُخب رئيساً للجمهورية بـ99 صوتاً، أي ما يعادل نحو 77 في المئة من أعضاء المجلس النيابي شملت القوى المعارضة حينها، القوات اللبنانية، الكتائب اللبنانية، اللقاء الديمقراطي، الاعتدال الوطني، كتلاً وشخصيات مستقلة، وصولاً إلى حركة أمل وحزب الله. لم يكن ذلك تفويضاً سياسياً مفتوحاً، لكنه كان تعبيراً واضحاً عن تقاطع نيابي واسع على شخص الرئيس في لحظة مفصلية من تاريخ البلاد. ومن الطبيعي أن يُقرأ هذا المعطى في سياق مسؤولية المؤسسات والكتل التي شاركت في إنتاج هذا الخيار الوطني، وفي مقدّمها مسؤولية التعامل مع موقع الرئاسة ودوره الدستوري في هذه المرحلة.
ثم إن التفاوض واستعادة الأراضي المحتلة وإعادة الإعمار ليست عناوين طارئة أُضيفت إلى جدول أعمال العهد، ولا مبادرة شخصية مستجدة من الرئيس. إنها جزء من خطاب القسم الذي حدّد فيه بوضوح أن إزالة الاحتلال الإسرائيلي وردّ العدوان عن الأراضي اللبنانية يتطلبان سياسة دفاعية متكاملة، دبلوماسياً واقتصادياً وعسكرياً، وأن إعادة إعمار ما هدمه العدوان لا تنفصل عن السيادة، وعن الاستثمار في علاقات لبنان الخارجية بدلاً من الرهان على الخارج للاستقواء على اللبنانيين. وعليه، فإن النقاش اليوم لا يدور حول خيار لم يعلنه الرئيس، بل حول التزام سبق أن وضعه أمام اللبنانيين والنواب والعالم منذ لحظة توليه الرئاسة.
والتاريخ اللبناني يقدم درساً لا يجوز تجاهله. ففي تجربة اتفاق 17 أيار 1983، لم تكن المشكلة محصورة في نص الاتفاق أو في طبيعة المفاوضات التي سبقته، بل كانت مرتبطة أيضاً بميزان قوى إقليمي شديد التعقيد، وبانقسام داخلي حاد، وبمواجهة سورية واسعة للمسار. وجد الرئيس أمين الجميّل نفسه أمام معارضة من قوى داخلية وخارجية، فيما لم يتحوّل الدعم السياسي الذي كان يفترض أن يحظى به من القوى التي تتقاطع معه في الخيارات السيادية إلى مظلة وطنية قادرة على حماية المسار. وترافقت تلك الانقسامات مع تفاقم الصراع الداخلي، فيما بقي الجنوب تحت الاحتلال الإسرائيلي حتى عام 2000 بعد إلغاء الاتفاق عام 1984، بدل أن يتم تحريره مع ابرام الاتفاق.
والأخطر في تلك التجربة أن الرئيس الجميّل لم يواجه خصومه وحدهم، بل واجه أيضاً مزايدات من داخل المعسكر الذي كان يفترض أن يكون سنده الأقوى. فبدلاً من توفير الغطاء السياسي للرئاسة، اختارت قوى من بيئته منافسته والتشدد في مواقفها ومزايدته على يمينه، ما أسهم في تفكيك الجبهة السيادية وإضعاف الدولة، وهكذا، ساهمت المزايدات الداخلية، عن قصد أو من دونه في فتح المجال أمام دمشق لتوسيع نفوذها وإحكام قبضتها على القرار اللبناني.
لا يعني ذلك أن الانقسام وحده أسقط الاتفاق، أو أن ظروف تلك المرحلة قابلة للاستنساخ اليوم، لكن التجربة تكشف حقيقة أساسية: عندما يصبح المفاوض اللبناني محاصراً في الداخل، وعندما تتحول المزايدات السياسية إلى بديل من بناء موقف وطني، لا يعود الطرف المقابل مضطراً إلى مواجهة لبنان موحداً، بل يصبح قادراً على التعامل مع تناقضاته واستثمارها. والأسوأ أن إضعاف الدولة في لحظة تفاوضية لا يضعف رئيسها فحسب، بل يفتح المجال أمام القوى الخارجية لتوسيع نفوذها في القرار اللبناني.
وفي التجارب الدولية، تقدم مفاوضات كامب ديفيد بين إسرائيل ومصر نموذجاً لافتاً. ففي إسرائيل، حيث الانقسامات السياسية حادة، أدركت القوى السياسية أن المفاوضات المصيرية لا ينبغي أن تتحول إلى ساحة لتصفية الحسابات الداخلية. ففي عام 1978، عندما خاض رئيس الحكومة مناحيم بيغن مفاوضات كامب ديفيد مع مصر، حظي الاتفاق بدعم واسع من المعارضة العمالية، التي صوّتت لجنتها المركزية بأغلبية 221 صوتاً مقابل 16 لمصلحته. لم يكن ذلك إنهاءً للخلاف السياسي مع بيغن، بل إدراكاً بأن القضايا الاستراتيجية ومصالح الدولة تتجاوز التنافس الحزبي.
والفارق كبير بين أن يذهب المفاوض إلى الطاولة وهو يحمل موقف دولة تتلاقى مؤسساتها وقواها السياسية على ثوابت وطنية، وبين أن يذهب فيما تتسابق القوى الداخلية إلى التشكيك بخياراته وتقديم رسائل متضاربة إلى الخارج، فيتحول الانقسام إلى ورقة تفاوضية مجانية في يد إسرائيل.
في المحصلة، ليست المعركة اليوم على موقع سياسي أو مكسب انتخابي، بل على مستقبل لبنان وموقعه في خريطة المنطقة الجديدة. فاستعادة الجنوب، وإنهاء الاحتلال، لا يمكن أن تتحقق فيما القرار الوطني عرضة للتدخلات الخارجية، ولا سيما الإيرانية، وفيما يستمر تفكك الدولة وتنازع اللبنانيين على صلاحياتها وخياراتها. من هنا، فإن دعم رئيس الجمهورية في المسار التفاوضي وتوفير الغطاء الوطني له ليسا اصطفافاً خلف شخص، بل حماية للموقع اللبناني على طاولة التفاوض. أما المزايدات من اليمين واليسار، والتنافس الخطابي، وتصفية الحسابات الداخلية والسباق الانتخابي، فكلها حسابات ينبغي أن تتراجع أمام استحقاق أكبر يتصل بمصير البلاد. فالمنطقة أمام إعادة رسم لموازين القوى وصياغة لشرق أوسط جديد، ولبنان لا يستطيع دخول هذه المرحلة منقسماً أو مرتهناً لقرارات الآخرين.
المطلوب اليوم أن يتقدّم منطق الدولة على منطق الأحزاب، وأن يتوحّد اللبنانيون خلف الرئيس، لأن خسارة الدولة لموقعها في هذه اللحظة قد تعني خسارة لبنان فرصة استعادة أرضه وقراره ومستقبله.