المصدر: eremnews
الثلاثاء 22 أيلول 2026 14:21:23
كشفت معلومات أمنية وتقارير استخباراتية لبنانية متقاطعة عن اختفاء أثر نحو 700 مواطن إيراني داخل الأراضي اللبنانية، وسط ترجيحات قوية تشير إلى مقتلهم خلال مشاركتهم الميدانية المباشرة إلى جانب حزب الله.
ولم تعد هذه الأرقام حبيسة الغرف الأمنية المغلقة، فقد بدأت تقارير صحفية لبنانية تتداول هذه المؤشرات بجرأة غير مسبوقة.
وتؤكد التقارير، بناءً على تدقيق في حركة الوافدين عبر مطار رفيق الحريري الدولي والمعابر البرية الشرعية، أن التدفق الإيراني خلال أشهر الحرب اتخذ منحنى تصاعدياً لافتاً، تحت لافتات متعددة.
وتقاطعت الروايات الصحفية المحلية عند نقطة جوهرية، وهي أن اختفاء هذا العدد الضخم دون وجود أي سجلات لهم في المستشفيات المدنية أو كشوفات الجرحى الرسمية، يمثل مؤشراً قاطعاً على طبيعة المهمة العسكرية السرية التي جاؤوا من أجلها.
ووفقاً لمصادر لبنانية مطلعة، فإن غياب الحديث عن القضية طيلة الفترة الماضية يعود إلى رغبة مشتركة بين طهران وحزب الله في إبقاء هذا الملف بعيداً عن الرصد الدولي ولحماية الساحة اللبنانية من تبعات قانونية إضافية.
وتفيد المصادر في حديث لـ"إرم نيوز"، بأن حركة الدخول الإيرانية الكثيفة منذ أواخر العام 2024 جرت تحت غطاء بعثات دبلوماسية، أو فرق إغاثية وإنسانية، وبعضها تحت مسميات "الزيارات الدينية" والمرافقين.
وكشفت التحقيقات الداخلية اللبنانية والتدقيق الاستقصائي أن الجزء الأكبر من هؤلاء هم من ضباط النخبة والمهندسين والخبراء التابعين للحرس الثوري الإيراني، وتحديداً من "فيلق القدس" المسؤول عن العمليات الخارجية.
وتضيف المصادر اللبنانية، أن الـ 700 المفقودين لم يجرِ تسجيل هوياتهم ضمن كشوفات ضحايا وزارة الصحة اللبنانية الرسمية، حيث يعمد حزب الله إلى عزل جثامين المقاتلين والخبراء الإيرانيين ونقلهم عبر ممرات برية سرية باتجاه الأراضي السورية ومنها إلى دمشق ثم طهران، تفادياً لإحراج الحكومة اللبنانية وتجنباً لإعطاء إسرائيل مستمسكات قانونية ودولية تثبت الحضور العسكري الإيراني المباشر.
وكان الاستهداف الإسرائيلي لفندق "رامادا" في منطقة الروشة ببيروت، والذي أسفر عن مقتل قادة ماليين واستخباراتيين بارزين في فيلق القدس، دليلاً حياً على تغلغل شبكة القيادة الإيرانية في عمق العاصمة اللبنانية.
ويرى المحلل السياسي ميشيل نجم، أن الرقم الضخم من المفقودين يعكس تحولاً جذرياً في طبيعة الدور الإيراني في لبنان؛ فالدور لم يعد يقتصر على الدعم المالي والتسليح عن بُعد، بل باتت طهران شريكاً كاملاً بالدم على الأرض.
وفي إطار حديثه عن الأبعاد العسكرية للملف أكد نجم في تصريح لـ"إرم نيوز"، أن فقدان أثر 700 إيراني يوضح أن طهران دفعت بالصفوف الثانية والثالثة من مستشاريها لإدارة منظومات الطائرات المسيرة، والصواريخ الدقيقة، والاتصالات المشفرة لحزب الله، خاصة بعد الضربات الإسرائيلية التي تلقتها البنية القيادية للحزب.
ويشير إلى أن غالبية هؤلاء الخبراء يتواجدون في ملاجئ محصنة وغرف عمليات تحت الأرض، وعندما تستهدف إسرائيل هذه المقرات بالقنابل الخارقة للملاجئ، يتم طمر الجثث وتدمير الأدلة بالكامل، مما يجعلهم في عداد المفقودين رسمياً.
وكانت الحكومة اللبنانية برئاسة نواف سلام طالبت طهران مراراً بضبط حركة عناصرها وتمرير أوامر بترحيل الشخصيات العسكرية التي تتجاوز النشاط الدبلوماسي، ولكن على أرض الواقع، فإن حزب الله يمتلك سلطة موازية تؤمن لهؤلاء الغطاء الكامل للدخول والخروج عبر معابر شرعية وغير شرعية.
ولا يعد الحضور الإيراني العسكري المرتبط بحزب الله في لبنان وليد الصدفة أو نتاج الأزمة الحالية، بل يمثل استراتيجية ممتدة على مدى أكثر من أربعة عقود.
في العام 1982، وتحت وطأة الاجتياح الإسرائيلي للبنان، استغلت طهران الفوضى العارمة وأرسلت طليعة عناصر ومدربي الحرس الثوري الإيراني إلى منطقة البقاع اللبناني.
وخلال تسعينيات القرن الماضي وفترة ما بعد عام 2000، انتقل التواجد الإيراني إلى مرحلة "التمكين والتطوير النظمي"، حيث أشرف الخبراء على حفر شبكات الأنفاق المعقدة وتدريب الوحدات الخاصة في ميليشيا حزب الله على إدارة الترسانة الصاروخية الكلاسيكية وطرق التمويه.
ومع حلول العام 2024، قفز هذا الدور قفزة نوعية ليتجاوز التدريب والتمكين، وتحول الحضور الإيراني إلى انخراط مباشر لإدارة غرف العمليات الميدانية والسيطرة اللوجستية لمنع انهيار الهياكل العسكرية بعد الخسائر القيادية البارزة للحزب، وهو ما يفسر الكثافة العددية العالية للخبراء الإيرانيين على الخطوط الأمامية ووقوع هذا العدد الكبير من المفقودين.
وكانت معلومات مسربة في وقت سابق لوسائل إعلام دولية، منها وكالة "رويترز"، ذكرت أن طهران أرسلت ضباطاً رفيعي المستوى فور التوصل إلى هدن مؤقتة أو تراجعات في حدة القتال لإجراء مراجعات هيكلية شاملة لبنية حزب الله القيادية.
وجرى الانتقال من "القيادة الهرمية العمودية" إلى "نظام الخلايا العنقودية المستقلة" أو ما يُعرف عسكرياً بـ "دفاع الموزاييك"، لضمان استمرار إطلاق الصواريخ حتى في حال انقطاع التواصل مع القيادة المركزية في بيروت.
وتطلب هذا التحول الهيكلي وجود "ضباط ارتباط" إيرانيين دائمين جغرافياً وميدانياً لتنسيق الهجمات المباشرة مع "فيلق القدس" الإيراني.
وتشير التقديرات إلى أن الـ 700 المفقودين كانوا يمثلون حلقة الوصل الحيوية في هذه الهيكلية الجديدة، حيث أدى استهدافهم المتلاحق إلى إرباك خطوط الإمداد اللوجستي الواصلة بين طهران وبغداد، وصولاً إلى ضاحية بيروت الجنوبية وجنوب لبنان.
وتبقى قضية الـ 700 إيراني المفقودين لغزاً أمنياً معقداً تخشى الأطراف المعنية الخوض في تفاصيله، وتؤكد في الوقت ذاته أن الساحة اللبنانية غدت رسمياً خط الدفاع الأول والساحة الأمامية للمشروع الإقليمي الإيراني في المنطقة.