المصدر: العربية
الاثنين 31 آب 2026 13:39:46
من خزانات النفط في خارك إلى الممرات البحرية الضيقة قرب لارك، تبدو الجزيرتان صغيرتين على الخريطة، لكن وزنهما يتجاوز بكثير مساحتهما الجغرافية. فإحداهما تمثل شرياناً رئيسياً لصادرات النفط الإيراني، بينما تتحول الأخرى إلى نقطة ارتكاز عسكرية تطل مباشرة على واحد من أهم الممرات البحرية في العالم.
في الخليج، حيث تتقاطع طرق الطاقة والتجارة مع الحسابات العسكرية، تبرز جزيرة خارك باعتبارها القلب النفطي لإيران. وتقع الجزيرة قبالة الساحل الإيراني، وتضم واحداً من أهم وأكبر مرافق تصدير النفط الخام في البلاد. ووفق إدارة معلومات الطاقة الأميركية، فإن محطة خارك هي أكبر محطة لتصدير النفط الخام في إيران، وقد صُممت لاستقبال كميات ضخمة من الخام وتحمّل ناقلات النفط الكبيرة.
وتكتسب خارك أهميتها من موقعها البحري ومن ارتباطها بشبكة واسعة من خطوط الأنابيب والمنشآت النفطية. وتُقدّر مصادر حديثة أن نحو 90% من صادرات النفط الخام الإيراني تمر عبر الجزيرة، ما يجعل أي اضطراب كبير في منشآتها قادراً على التأثير ليس فقط في الاقتصاد الإيراني، بل في أسواق الطاقة العالمية.
ولا تقتصر أهمية خارك عند الاقتصاد، فالجزيرة التي اعتبرت طيلة قرون محطة بحرية وتجارية، باتت خلال القرن العشرين مركزاً أساسياً لصناعة النفط بإيران، وبتوسع الإنتاج النفطي، أضحت الناقلات العملاقة ترسو في مرافئها لتحميل الخام المتجه إلى السوق العالمي، ما أعطى الجزيرة قيمة استراتيجية استثنائية.
لارك.. العين التي تطل على مضيق هرمز
وفي مشهدية أخرى بعيدة عن النفط، تطل جزيرة لارك كعنصر هام بالمعادلة العسكرية والبحرية. فالجزيرة تقع بالقرب من الممرات الملاحية في مضيق هرمز، أحد أهم ممرات الطاقة في العالم.
وتفيد التحليلات الاستراتيجية بأن لارك، فضلا عن جزيرتي قشم وهرمز، تشكل مجموعة جزر ذات أهمية خاصة عند مدخل المضيق. ويعطي موقعها القريب من خطوط ميزة مراقبة حركة السفن، كما تضم منشآت عسكرية تابعة للحرس الثوري.
وتزداد أهمية لارك عندما نضعها في سياق طبيعة مضيق هرمز نفسه. فالمضيق يربط الخليج بخليج عُمان وبحر العرب، وتمر عبره كميات هائلة من النفط والغاز. ووفق إدارة معلومات الطاقة الأميركية، بلغ متوسط تدفقات النفط والسوائل النفطية عبر المضيق 20.9 مليون برميل يومياً خلال النصف الأول من 2025، أي ما يعادل نحو 20% من الاستهلاك العالمي للسوائل النفطية.
لماذا تبدو لارك حساسة إلى هذا الحد؟
الجواب يكمن في الجغرافيا. فالسفن العابرة للمضيق تتحرك ضمن ممرات بحرية محدودة، ما يجعل الجزر القريبة من هذه الممرات نقاطًا مهمة للرصد والمراقبة والتأثير في حركة الملاحة.
وفي تطور بالغ الدلالة وقع في 30 أغسطس 2026، أعلنت مصادر أميركية أن القوات الأميركية نفذت ضربات استهدفت منصتي إطلاق إيرانيّتين قرب جزيرة لارك، بعدما قالت واشنطن إن القوات الإيرانية كانت تستعد لاستخدام صواريخ وألغام بحرية. وأكدت وكالة رويترز أن الضربة استهدفت موقعين لإطلاق الصواريخ في الجزيرة، في تصعيد جديد حول أمن الملاحة في مضيق هرمز.
يمكن اختصار أهمية الجزيرتين في معادلة واضحة:
خارك هي بوابة النفط الإيراني إلى العالم، بينما لارك هي إحدى نقاط الارتكاز الإيرانية قرب بوابة الخليج البحرية.
فخارك ترتبط أساسًا بالبنية التحتية النفطية والتصدير، في حين ترتبط لارك بالمراقبة والدفاع والوجود العسكري بالقرب من خطوط الملاحة. لكن موقع الجزيرتين داخل المنظومة الجغرافية للخليج يجعلهما جزءًا من معادلة واحدة: الطاقة من جهة، وأمن طرق الطاقة من جهة أخرى.
وتتضاعف حساسية هذه المعادلة لأن أي اضطراب في مضيق هرمز لا يبقى محصوراً في المنطقة. فقد أكدت إدارة معلومات الطاقة الأميركية أن المضيق واحد من أهم الاختناقات النفطية البحرية عالميًا، وأن البدائل المتاحة لتجاوز المضيق لا تستطيع استيعاب كامل الكميات التي تمر عبره.
من جزيرتين إلى ورقة ضغط دولية
لهذا السبب، تحولت خارك ولارك من مجرد جزيرتين إيرانيتين في الخليج إلى ورقتين استراتيجيتين في صراع أكبر على أمن الطاقة والملاحة.
فمن يملك القدرة على حماية منشآت خارك يملك جزءًا مهمًا من مفاتيح استمرار صادرات النفط الإيرانية، ومن يسيطر على المواقع القريبة من لارك وممرات هرمز يمتلك قدرة أكبر على مراقبة أحد أهم شرايين التجارة البحرية في العالم.
وفي ظل التوترات الحالية، لم تعد أهمية الجزيرتين قضية إيرانية داخلية فحسب؛ بل أصبحت مرتبطة مباشرة بأسعار النفط، وحركة الناقلات، وأمن التجارة العالمية. وقد انعكس التصعيد الأخير حول لارك ومضيق هرمز بالفعل على الأسواق، إذ ارتفعت أسعار النفط مع تجدد المخاوف بشأن حركة الشحن في المضيق.
وهكذا، تكشف خارك ولارك عن حقيقة جغرافية بسيطة: في الخليج، قد تكون الجزيرة صغيرة جدًا على الخريطة، لكنها قادرة على أن تكون كبيرة جدًا في حسابات النفط والحرب والسياسة الدولية.