المصدر: اللواء
الكاتب: زياد سامي عيتاني
الثلاثاء 3 آذار 2026 08:07:27
في لحظة تاريخية فارقة، أثبتت الأحداث الدامية التي يشهدها لبنان اليوم، أن ما كان يُسمى بـ «مقاومة» قد تحول نهائياً إلى أداة تدمير ذاتي، تقود البلاد نحو انتحار جماعي خدمةً لأجندات خارجية بعيدة كل البعد عن المصلحة الوطنية. إن عملية استهداف العمق الإسرائيلي تحت شعار «الثأر للمرشد»، لا تمثل مجرد تهور عسكري عابر، بل هي خيانة عظمى للميثاق الوطني، وتجسيد صارخ لتبعية قرار الحزب المطلقة لطهران، وتجاوز سافر للدولة اللبنانية التي أُفرغت من محتواها وصودرت سيادتها بالكامل.
إن ما يجري في لبنان اليوم ليس مجرد تصعيد حدودي عابر، بل هو نتيجة مسار طويل من القرارات العسكرية التي اتخذها حزب الله خارج إطار الدولة اللبنانية، وربط فيها مصير البلاد بحسابات إقليمية تتجاوز مصالح اللبنانيين، لتتوج هذه المغامرة باستهداف العمق الإسرائيلي تحت شعار «الثأر للمرشد»، وهو ما يمثل ذروة الاستهتار اللبناني.
• «الثأر الإيراني» بدم لبناني: العمالة المكشوفة
لقد سقط القناع نهائياً في فجر أمس المشؤوم. بإعلانه الصريح أن صواريخه النوعية التي استهدفت «مشمار الكرمل» هي للثأر لاغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي، أكد حزب الله بما لا يدع مجالاً للشك أنه ميليشيا إيرانية تعمل في لبنان، وليست حزباً لبنانياً مقاوماً.
- لبنان كساحة لا كوطن:
بالنسبة لحزب الله، لبنان ليس وطناً له سيادة وحرمة، بل هو مجرد «ساحة» أو «ورقة ضغط» تُستخدم في بازار المفاوضات الإيرانية الدولية. لقد تم اختزال الجغرافيا اللبنانية لتصبح مجرد منصة لإطلاق الصواريخ، وتحويل الشعب اللبناني إلى مجرد «وقود» لمعارك لا ناقة له فيها ولا جمل.
- خيانة الأمانة الوطنية:
عندما يضع حزب مصالح دولة أجنبية (إيران) فوق أمن وسلامة ومستقبل وطنه (لبنان)، فإن ذلك يندرج تحت بند العمالة المكشوفة والمتاجرة بالدماء. الحزب لا يدافع عن لبنان، بل يدافع عن مشروع توسعي إيراني، مستخدماً اللبنانيين كدروع بشرية.
• «خداع الدولة» واختطاف القرار والشرعية
على مدى عقود، مارس الحزب لعبة «الازدواجية» السياسية الخبيثة، متمسّكاً بـ «غطاء الدولة» الرسمي وامتيازاته، بينما يمتلك جيشاً ومستودعات صواريخ خارج إرادتها.
- خداع الحكومة والمؤسسات:
لقد خدع الحزب الدولة اللبنانية عبر مشاركته في حكوماتها وبرلمانها، بينما هو في الحقيقة يعمل وفق أجندة منفصلة تماماً. عندما أعلن الحزب عن «وحدة الساحات»، كان ذلك إعلاناً رسمياً بسحب القرار السيادي من بيروت وتسليمه لطهران.
• «مغامرة الحافة» والتهور القاتل: استراتيجية «التضحية بالكل»
إن إقدام الحزب على استهداف «مشمار الكرمل» هو عمل لا ينم عن حكمة عسكرية أو قراءة استراتيجية، بل عن تهور صبياني يُغلب الأيديولوجيا على المصلحة الوطنية العليا.
- غياب الحسابات الاستراتيجية:
الحزب لم يقدّر حجم الرد الإسرائيلي، أو أنه استخف به، مما أدى إلى تحويل قرى الجنوب إلى أرض محروقة، والضاحية إلى ركام، في استنساخ مأساوي لتجارب سابقة لم يتعلم منها.
- ذريعة مجانية لإسرائيل: هذا هو وجه التهور الأكبر. الحزب، في محاولة لإثبات ولائه لإيران، قدم لإسرائيل «ذريعة ذهبية» على طبق من فضة لتدمير لبنان. إسرائيل كانت تبحث عن أي مبرر لتدمير قدرات الحزب وضرب البنية التحتية اللبنانية، والحزب بتهوره هذا منحها الغطاء الشرعي دولياً لشن حرب شاملة. إنها ليست «مقاومة»، بل هي خدمة جليلة للعدو.
• التداعيات الكارثية: انهيار الكيان اللبناني
إن ما يجري اليوم لا يمكن تصنيفه كـ «معركة» عسكرية تقليدية، بل هو ضربة قاضية توجه للكيان اللبناني وتهدّد وجوده كدولة مستقلة ذات سيادة. فتهور الحزب قد أدخل البلاد في نكبة وطنية جديدة، تتجلى في نزوح مليوني يهدد بفتنة طائفية واجتماعية نتيجة انهيار البنية التحتية والموارد الشحيحة، وعجز الدولة المطلق عن تقديم أبسط الخدمات للنازحين. هذا التهور الممنهج لم يكتفِ بإغراق لبنان في انهيار اقتصادي شامل، وهو الذي يعاني أصلاً من أسوأ أزمة في تاريخه الحديث، بل أدّى إلى تدمير شامل لبنيته التحتية من محطات كهرباء، وجسور، ومستشفيات، مما يعيد البلاد عقوداً إلى الوراء ويخدم أهدافاً إسرائيلية طويلة الأمد في إضعاف الدولة، ليؤكد الحزب بذلك أنه يقتل اللبنانيين بفقرهم ودمارهم قبل صواريخهم.
• تمهيد للاجتياح البري
التصعيد العسكري في الجنوب اللبناني خلال الأشهر الأخيرة لم يعد يشبه الضربات المحدودة التي كانت تقع في إطار الردع المتبادل.
فوفق تقديرات مراكز أبحاث دولية، فإن نمط الضربات الجوية يشير إلى استهداف منهجي للبنية العسكرية لحزب الله، بما يشمل مواقع إطلاق الصواريخ ومنظومات الدفاع وشبكات الاتصالات العسكرية.
غالباً ما يُعدّ هذا النمط من العمليات تمهيداً لعمليات برية محدودة في الحروب الحديثة. كما تشير تحركات الجيش الإسرائيلي إلى تصعيد محتمل، مع استدعاء أعداد كبيرة من جنود الاحتياط وتوسيع بنك الأهداف داخل لبنان.
• الأخطاء الاستراتيجية: عمى الألوان السياسي
يرى عدد من الباحثين أن الأزمة الحالية تعكس سلسلة من الأخطاء الاستراتيجية في حسابات حزب الله.
- سوء تقدير العدو:
أول هذه الأخطاء هو سوء تقدير رد الفعل الإسرائيلي. فقد افترض الحزب أن فتح جبهة محدودة يمكن أن يبقى ضمن قواعد اشتباك مضبوطة، لكن التجارب السابقة تشير إلى أن إسرائيل تميل في الأزمات الكبرى إلى توسيع العمليات العسكرية بدلاً من احتوائها.
- تغليب الولاء على المصلحة:
الخطأ الثاني يتمثل في تغليب الحسابات الإقليمية على المصلحة اللبنانية، إذ إن الارتباط الوثيق بين الحزب وإيران جعل لبنان جزءاً من صراع إقليمي أوسع.
- إضعاف الدولة:
أما الخطأ الثالث فهو إضعاف الدولة اللبنانية نفسها. فعندما يمتلك تنظيم غير حكومي القدرة على فتح جبهة عسكرية دون تفويض وطني، تصبح الدولة عاجزة عن حماية مواطنيها من تبعات قرارات لم تتخذها.
• حزب الله.. من «مقاومة» إلى «مقبرة» الدولة
لم يعد حزب الله في نظر اللبنانيين، بعد هذا التهور الانتحاري، سوى أداة هدم لجمهوريتهم، وورقة إيرانية محروقة تُحرق معها أرض لبنان. إن «مغامرة» الحزب لم تكشف فقط عن تبعيته المطلقة لطهران، بل فضحت زيف شعاراته الوطنية؛ إذ كيف يُسمّى «مدافعاً» من يمنح عدوه ذريعة مجانية لتدمير وطنه؟ وكيف يُسمّى «حامياً» من يختطف قرار الحرب والسلم ليحول اللبنانيين إلى دروع بشرية وأشلاء؟
إن لبنان اليوم يقف على حافة الهاوية، والسبب المباشر هو خيانة الحزب للميثاق الوطني واستباحته لسيادة الدولة. لم يعد السؤال اليوم هو كيف يمكن تفادي الحرب، بل هل سيبقى هناك «لبنان» ككيان سياسي مستقل بعد أن يُنهي الحزب مهمته في تحويله إلى مجرد ساحة خراب خدمةً لأسياده؟ إن التاريخ لن يرحم من حوّل وطنه إلى «مقبرة للآمال» خدمةً لمشروع أجنبي.