المصدر: نداء الوطن
الكاتب: لوسي بارسخيان
الخميس 19 شباط 2026 06:53:12
عاد ملف خدمة الـ A2P Application to Person عبر شركتي "ألفا" و "تاتش" إلى واجهة التلزيمات في الأيام الماضية، ليس من باب شبهات هدر المال العام والالتفاف على العروض، التي شابت عقدي شركتي INMOBILES و VOX SOLUTIONS معهما، وإنما من خلال مشروع دفتر شروط أحيل إلى هيئة الشراء العام طلبًا لملاحظاتها، ويمهّد عمليًّا لعملية تلزيم جديدة، طال انتظارها منذ نحو ثلاثة أعوام تقريبًا.
من خدمة غير مرئيّة إلى ملف شائك
قد تبدو الـ A2P التي تختزل خدمة تمرير الرسائل من التطبيقات أو الأنظمة الإلكترونية إلى الأفراد، عبر الهاتف المحمول، مسألة تقنية بحتة لا تستدعي اهتمام المواطن. فكلّ ما يتوقعه المستخدم من خلالها أن يتلقى الإشعارات أو الرسائل بسرعة وكفاءة، مثل: رسائل الـ OTP من المصارف، إشعارات التجارة الإلكترونية، شركات الطيران، منصّات التواصل، وشركات خدمات الرسائل.
ولكن، ما يفترض أن يكون خدمة غير مرئيّة في خلفية "حياتنا الرقميّة"، تحوّل في لبنان إلى ملف ماليّ ورقابيّ معقد، تختلط فيه الإيرادات العامة بمخاطر التحايل عليها، بعد مسار تعاقديّ شابه الكثير من الالتباس، و "هشل" الشركات العالمية الكبرى الـ TIER1 في محاولات التلزيم السابقة.
منذ ثلاث سنوات يدور ملف الـ A2P وإعادة تلزيمه في شركتي الخليوي بين أروقة الهيئات الرقابية وشركتي "ألفا" و "تاتش". والسبب، أن "تاتش" انطلقت منذ البداية بتلزيم الخدمة لشركة، INMOBILES، وثبت من خلال الممارسة أنها غير مؤهّلة، ما تسبّب في خسائر، سواء بالمال العام أو للمواطن. بينما السعر الأفضل الذي فازت على أساسه VOX SOLUTIONS بصفقتها مع "ألفا"، لم يعمر طويلًا، فانقلبت "ألفا" عليه، بعدما وضعت العقد بجيبها.
كيف سيدير الحاج إرث القرم؟
أورث الوزير السابق جوني القرم الوزير الحالي شارل الحاج هذا الملف بمساراته الشائكة، وخصوصًا في أروقة هيئة الشراء العام وديوان المحاسبة، اللذين ذهبت توصياتهما وقراراتهما لتصويب الأمور هباء، وبقيت جميعها حبرًا على ورق.
وعليه، كان ملف الـ A2P من أوّل الملفات التي بحثها الحاج مع هيئة الشراء العام، تزامنًا مع تلقيه كتابًا من ديوان المحاسبة، يتضمّن استيضاحًا حول الخطوات المنويّ اتخاذها بشأنه.
كان التوجّه لدى الحاج وفقًا لما سرّب من معلومات حول مداولاته مع الهيئات الرقابية، نحو فسخ عقد INMOBILES أولًا، مع المضيّ قدمًا بإجراءات تحصيل المستحقات حتى عن الفترة المنقضية من العقد. إلّا أن ديوان المحاسبة بقي متحفظًا على هذا التوجّه، خصوصًا أنه لم يراع خارطة الطريق الموضوعة من قبل هيئة الشراء العام، لحماية الحقوق بالمال العام.
مسار متعثر بانتظار الملاحظات الحاسمة
تقوم خارطة طريق الهيئة والتي تبناها ديوان المحاسبة أيضًا بقرار صدر عنه لاحقًا، على تعديل العقد الموقع مع INMOBILES بمفعول رجعي يسري اعتبارًا من تاريخ نفاذه، بحيث يُعتمد في تسعير كل SMS يرسل من قبلها لمشتركي "تاتش"، السعر الإفرادي ذاته والحدّ الأدنى السنوي لعدد الرسائل النصية المعتمد في عقد "ألفا". على أن يُصار بعد انتهاء المزايدة العمومية إلى فسخ العقد مع INMOBILES وتلزيم الخدمة لشركة جديدة.
ولكن لا الخارطة طبقت على ما يبدو، ولا VOX SOLUTIONS التزمت بالعرض الذي فازت على أساسه بعقدها مع "ألفا". هذا في وقت لم ينجح الموعد الأوّل الذي ضرب لتلزيم الخدمة مجددًا، في استدراج عروض شركات عالمية موثوقة. فألغيت المزايدة من دون تحديد موعد جديد لها.
دخل الملف في مرحلة فراغ استمرّت خلالها الشركتان بتسيير الأمور، في ظلّ توجّه واضح أبرزته وزارة الاتصالات وأبلغته إلى هيئة الشراء العام منذ البداية، وقضى بإطلاق دفتر شروط واحد لإعادة تلزيم الخدمة في الشركتين، ما سيسمح بإيصال شركة أو شركتين لإدارة الخدمة فيهما.
ذهب الملف وعاد كثيرًا منذ شهر آذار من العام الماضي، إلى أن أرسلت "ألفا" إلى هيئة الشراء العام دفتر الشروط الموحد للتلزيم، من أجل إبداء الملاحظات عليه قبل إطلاق المزايدة على منصّتها الرسمية.
بالصورة - الشيخ فريد يتعافىفي قراءتها المتخصّصة لمشروع دفتر الشروط، حاولت الهيئة تصويب مساره بما يتلاءم مع معايير "الحوكمة التعاقدية"، تمكينًا للشركتين من إطلاق مزايدة دولية تجذب شركات جديّة وتضمن نموذجًا ماليًا مستقرًا. وهذه معايير بدت بالنسبة للهيئة شرطًا لإعادة بناء الثقة في سوق الاتصالات، بعد سنوات من الجدل الذي أحاط بعقود شركتي الخليوي في لبنان، وما رافقها من شبهات حول المنهجية والتسعير وإدارة المخاطر.
انطلاقًا من هنا، لم تدرس الهيئة الملف فقط من خلال المعادلة المالية التي قدّمها مشروع التلزيم. واعتبرت أن "نجاح" دفتر الشروط لن يُقاس برقم مرتفع يُدوّن في خانة الإيرادات، وإنما بقدرته على إنتاج نموذج مستدام يعيد الثقة بسوق الاتصالات وبآليات الشراء العام، من خلال إعادة تنظيم السوق، الحدّ من التحايل والـ Bypass، وحماية جودة رسائل OTP التي أصبحت جزءًا من الأمن الرقمي اليومي للمواطن.
لغط بين المزايدة والمناقصة
شكّلت ملاحظات الهيئة، والتي تضمّنت أيضًا تحديد مكامن "الخطر" في مشروع دفتر الشروط، خطوات إصلاحية جوهرية، من شأن تطبيقها أن يخلّف أثرًا مباشرًا من ناحية استعادة ثقة الشركات العالمية المستثمرة، وتحقيق الإيرادات للشركتين المشغلتين، وإرضاء مشتركيهما بالخدمة.
في المقابل بدا مستغربًا في صفقة استغرقت وقتًا طويلًا من المداولات، أن يصطدم مشروع دفتر شروطها المقدم للهيئة بخطأ في توصيفها القانوني. إذ استخدم في الدفتر مصطلح "مناقصة"، فيما معيار الإرساء هو "السعر الإجمالي الأعلى"، ما يجعلها عمليًا "مزايدة". وهذا خطأ لا يعتبر شكليًّا بل قد يعرّض الصفقة للطعن ويعكس ضعفًا في الدقة القانونية.
إلى ذلك، سجّلت الهيئة ضرورة اعتماد اللغة العربية في الملاحق، تطبيقًا لقانون الشراء العام، بعدما وردت ملاحق أساسية باللغة الإنكليزية فقط. علمًا أنه في مزايدة دولية، قد يبدو الأمر تفصيلًا، لكنه في السياق القانوني اللبناني عنصر أساسي في سلامة المستندات.
مخاطر جوهرية مهشلة للشركات العالمية
أما في "المخاطر" الجوهرية، فقد حدّدت الهيئة مكامن الضعف التي قد تنفر الشركات العالمية الكبرى، وتجعلها تحجم عن تقديم عروضها.
وأبرز هذه المخاطر ما يتعلّق بتفريغ حصرية العقد من مضمونه، من خلال السماح لـ "تاتش" بطلب من الوزارة، إبرام اتفاقات مباشرة مع منصات OTT، خارج إطار الشركة الفائزة بالمزايدة.
هذا البند وفقًا للهيئة يخلق عدم يقين جوهري بشأن حجم السوق المتاح، ويُضعف جاذبية المزايدة أمام الشركات العالمية الموثوقة أو ما يعرف ب Tier 1، بالإضافة إلى ما يتسبّب فيه من ازدواجية تعاقدية داخل مزايدة مشتركة يُفترض أن تكون الحصرية والحقوق والالتزامات فيها متوازية بين كل من "ألفا" و "تاتش". وهو بالتالي يعقد التسعير، ويرفع مخاطر النزاعات، ويشوّه مقارنة العروض، ويطرح إشكاليات تمييز وشفافية حول آلية اختيار المنصّات.
في تدارك لتجربة "ألفا"
الخطر الثاني الذي حدّدته الهيئة يتعلّق بمعيار الإرساء على "السعر الإجمالي الأعلى"، والذي اعتبرت الهيئة أنه يشجّع عروضًا مبالغًا فيها للفوز، قبل أن تبدأ لاحقًا محاولات إعادة النظر أو التهرّب، كما حصل في عقد ألفا مع VOX SOLUTIONS.
وشرحت الهيئة أنه في قطاع A2P تحديدًا، قد يؤدي رفع التعرفة بشكل غير واقعيّ إلى تخفيض الحجم الفعلي القابل للتحصيل ويزيد مخاطر الاحتيال Bypass. وعليه، إذا لم تكن معايير الجودة والقدرة التنفيذية مرجّحة بشكل محكم، تتحوّل العملية إلى مزايدة مالية بحتة.
أمّا الخطر الثالث، فهو في ما أتاحه العقد المقترح من حقوق للمشغلين، وبتنسيق مع الوزارة، لتعديل سعر الـ SMS "بأي وقت" وبمفعول سريع. هذه الآلية وفقًا للهيئة، تقتل اليقين التجاري وتجعل التسعير والتمويل والتخطيط شبه مستحيلين. والنتيجة، أن شركات تقديم الخدمة الجدية إمّا ستنسحب، أو تقدّم عروضًا أكثر تحفظًا، نتيجة تسعير المخاطر.
خط رفيع بين الكونسورتيوم والـ FRONTING
الخطر الرابع في دفتر الشروط وفقًا لملاحظات الهيئة، يتعلّق بإتاحته عروضًا مشتركة، أو ائتلافية "كونسورتيوم"، مع أنه ليس ضرورة تقنية في A2P. الإشكالية هنا وفقًا للهيئة، في كون السماح بالائتلاف لا يقترن بشروط واضحة تضمن أن يكون قائد الائتلاف هو الشركة العالمية التي تتحمّل كامل المسؤولية التقنية والأمنية، وأن تبقى المهام الجوهرية (التوجيه، التحكّم، الأمن، الامتثال) تحت إدارتها المباشرة. وهذا ما يمكن أن يحوّل العروض المشتركة إلى تغطية محلية شكلية (fronting)، مع ضبابية في المسؤوليات وتشابك في الصلاحيات، ما يضعف الشفافية والمساءلة.
ما علاقة المنتجات المحلّية؟
الخطر الخامس الذي حدّدته الهيئة، يتعلّق بتوازن تبعات إنهاء العقد. إذ إنه رغم خضوع مسار الإنهاء لأحكام قانون الشراء العام رقم 244/2021 وتضمّنه إنذارًا خطيًا ومهلة تصحيح، يجيز دفتر الشروط لمشغل الخليوي الاحتفاظ بالمبلغ المدفوع عن الحدّ الأدنى السنوي كـ "تعويض إضافي"، مع حرمان الطرف الآخر، أي مقدّم الخدمة، من أي مطالبة مقابلة. عمليًا، يتحوّل الحدّ الأدنى السنويّ إلى مبلغ غير قابل للاسترداد، حتى في حالات الخلاف التفسيري، ما ينقل المخاطر بشكل غير متوازن إلى مقدّم الخدمة. وهذا يدفع الشركات الجدية إمّا إلى العزوف عن المشاركة أو إلى تسعير المخاطر بعلاوة مرتفعة تضعف جاذبية المزايدة ونتائجها.
ملاحظة أخيرة أبدتها هيئة الشراء العام، ووضعتها في خانة "المخاطر" لما تظهره من لا احترافية تضعف صدقية دفتر الشروط بالنسبة إلى الشركات الأجنبية الراغبة في الانفتاح على سوق الرسائل اللبنانية. إذ نصّ مشروع الدفتر في أحد بنوده على تفضيل بنسبة 10 % أعطي للمنتجات اللبنانية. لكن A2P هي خدمة رقميّة عابرة للحدود، وليست شراء سلع وطنية. وإدراج هذا البند من دون ملاءمته طبيعة الخدمة يثير تساؤلات حول منهجية إعداد الدفتر ودقة مواده.
إذًا، لم تجد القراءة المتخصّصة لمشروع دفتر الشروط، ما يبدّد الهواجس فيه، من إعادة استنساخ "سيئات" أو ما سمّته الهيئة "مخاطر" الصفقات السابقة في عملية التلزيم الجديدة. فاستنتج منها بالتالي أن تنقيح الدفتر يجب أن يذهب إلى أبعد من تصويب الأخطاء الشكلية والتقنية، نحو تطبيق جوهر "الحوكمة التعاقدية" في إدارة سوق رقميّة حسّاسة تلامس يوميًا ملايين المستخدمين.
فهل يعالج دفتر الشروط المخاطر بما يستعيد ثقة الشركات العالمية لتقديم عروضها؟ أم أن المزايدة الجديدة ستلتحق بسابقاتها، كحلقة إضافية في مسار تعاقديّ لم يعرف الاستقرار منذ سنوات؟