خطة الظل الخبيثة مستمرة... وتضييع المسؤوليات والإفلات من العقاب أيضاً

في ندوة عقدت تحت عنوان «الطريق إلى الدولة» أدارها الخبير الاقتصادي جان طويلة، تحدث الوزير السابق عادل أفيوني عن تجربته في الحكومة التي تشكلت في 2019، كما تحدثت الوزيرة السابقة ماري كلود نجم عن تجربتها في حكومة حسان دياب، وتحدث رئيس منظمة «كلنا إرادة» ألبير كوستانيان. وتطرقت الندوة إلى الأزمة وأسبابها وسبل حلولها، وكيفية توزيع الخسائر وتحديد المسؤوليات. 

عادل أفيوني: حصلت اتفاقية سيدر في نيسان 2018 وبعدها الانتخابات النيابية، ثم تشكلت حكومة اوائل 2019 كنت ضمنها لتكون حكومة تنفيذ اصلاحات سيدر والحصول على المساعدات التي قدرت بنحو 11 مليار دولار، وذلك للانقاذ وتجنب الانهيار. انا لست من داخل الحياة السياسية، ولم يكن لدي فكرة عن طريقة ادارة البلد. كنت في الخارج واتابع القضايا العامة، وعندما اصبحت في الداخل اصبت بصدمة طريقة التعامل مع وضع كان حساساً جداً، لا سيما على صعيد العجز عن اتخاذ القرارات الاصلاحية على الرغم من الوعود. علماً بانها كانت حكومة اقطاب تمثل كل الاحزاب السياسية، وكانوا اتفقوا، شفهياً على الاقل، على انها حكومة تنفيذ الاصلاحات. وسميت حكومة «الى العمل». وللأسف «ما قدرنا نعمل شي»! والنهج نفسه مستمر منذ ذلك الحين. ان طريقة ادارة البلد مبنية على تجنب تحمل المسؤولية. وهنا سأسرد 5 نقاط:

الحوكمة غير السليمة

الحوكمة: هي مبنية على مبدأ تجنب تحمل أي مسؤولية من أي طرف. في المؤسسات عادة هناك رأس للهرم لإدارة الامور واتخاذ القرارات وتحمل مسؤولية التنفيذ. أما في لبنان، ومن خارج الدستور، هناك ما سمي بالديمقراطية التوافقية وهي عبارة عن اوليغارشية تحاصصية. انه هرم معكوس فيه 5 او 6 افرقاء لا يتخذون اي قرار الا اذا توافقوا في ما بينهم. اي فريق له حق تعطيل اي اجراء، سواء تعلق الامر باصلاح او اجراء تعيينات او تنفيذ خطة. لا يستطيع رئيس الجمهورية ان يحكم لوحده وكذلك الامر بالنسبة لرئيس الحكومة والوزراء. ان اسلوب تمييع المسؤولية كان يجعل النقاشات غير مؤدية الى نتيجة، وبالتالي كان الاتفاق صعباً.

الحوكمة هي اساس لأي بلد او اي مؤسسة مهما كانت كبيرة او صغيرة، فكيف اذا كان الأمر متعلقا ببلد يمر بأصعب الظروف الاقتصادية، فلا يمكن ادارة البلد بـ 5 او 6 رؤوس لا تتفق في ما بينها.

المصالح الخاصة: سواء كانت شخصية او تعود لافرقاء ويبنى عليها فساد يغذي هذه المصالح. وللتذكير ليس لدينا اي قانون او اطار لتمويل الحياة السياسية في لبنان، والذي هو من البديهيات. التمويل لدينا يتم عبر استخدام الدولة وكل مرافقها لمصلحة الاحزاب السياسية. وهذا في صلب المشكلة. في حالتنا، لم يعد بناء الدولة هو الغاية، بل تحولت الدولة الى وسيلة لتمويل العمل السياسي والمصالح الشخصية والزبائنية والانتخابات... لذا غالباً يتعذر الاتفاق، لأن الهمّ الاول لكل طرف حماية مصالحه.

شبه انعدام الكفاءات

ليس هناك كفاية من الكفاءات في المراكز الحساسة. لا يمكن خوض حرب بأشخاص لا خبرة لديهم في المعارك، وهنا المقصود مواجهة المشاكل وحلها. في مراكز القرار ثغرات كثيرة من ناحية الكفاءات، وبذلك يستحيل الوصول الى نتائج لا سيما بوجود تشويش من اشخاص لا كفاءة لديهم. ومن تجربتي أؤكد ان ذلك عائق يحول دون التقدم.

آليات التنفيذ: لنفترض ان اتفاقاً ما حصل، علينا الّا ننسى ان هذه الدولة باتت بالية بعد 30 سنة من الاستفادة منها ومن تدميرها. المؤسسات مدمرة وليس هناك آليات للتنفيذ. وما صدمني على سبيل المثال لا الحصر ان التواصل بين ادرات الدولة لا يتم عبر الايميل، بل عبر دراج يحمل رسالة من مكان الى آخر. كيف يمكن تنفيذ اصلاحات جذرية واتخاذ قرارات مصيرية في دولة غير عصرية تفتقد لآليات تنفيذية حديثة؟؟

إنعدام المحاسبة

في لبنان شبه انعدام للحس بالمسؤولية. فنحن في منظومة تحكم منذ 30 سنة ولم يحاسب أحد يوماً، فكيف يمكن تسريع اتخاذ القرارات وتحمل مسؤوليتها في هذا الواقع... كنت اسمع: «ما تخاف عادل هذا البلد مش متروك... بكرا بيجوا بيساعدونا». وهذا يفسر عدم وجود نية لاتخاذ القرارات الطارئة والمصيرية، لان هناك يداً خفية هي التي ستفعل فعلها وتنقذنا من الانهيار، والشعب لن يحاسب، وبالتالي لمَ التسريع، ولم تحريك الامور الاصلاحية الصعبة؟

وهنا لا بد من الاشارة الى مسؤولية تقع على النخب من القطاع الخاص بما في ذلك المصارف، جزء كبير منها فضل التساهل والتواطؤ للاستفادة ودخل في لعبة النظام، بدلاً من الوقوف سداً منيعاً بوجه هذه المنظومة السياسية. ويجب ذكر ذلك عندما نتحدث عن توزيع الخسائر. كلنا نتفق على ان النخب السياسية مسؤولة لكن لا شك في ان هناك نخباً اخرى اقتصادية ومالية لم تكن مجبرة على الدخول في هذه اللعبة لكن دخلت بالاغراءات... لذا هي مسؤولية ايضا.

جان طويلة: عندما اتت حكومة حسان دياب والتي يفترض انها كانت حكومة انقاذ، وفيها الكثير من التكنوقراط والكفاءات من خارج السلطة السياسية القائمة، اي من خارج المعوقات التي تحدث عنها الوزير عادل افيوني، كان يفترض ان تقوم بفعل ما لنخرج من هذه الازمة. كثير من الخبراء يؤكدون انه لو ان الخطة التي وضعت لكنا اليوم ربما بدأنا نخرج من هذه الازمة. لكن هذه الحكومة وصفت ايضا بانها حكومة الانهيار وليس حكومة الانقاذ، وتتحمل او يحملونها الكثير من المسؤوليات. لذا نرغب في ان نسمع من الوزيرة ماري كلود نجم كيف كانت تجربتها وكيف تحدد المسؤوليات؟

ماري كلود نجم: انا اعتقدت ان الانهيار الكبير والشامل سيدفع الطبقة السياسية مع حلفائها في القطاع الخاص الى الانكفاء قليلاً وترك فرصة لاحداث خروقات ما حتى لو لم تكن جذرية. لكن الفشل واضح، والدليل انه لم تنفذ اي خطة رغم مرور اكثر من 3 سنوات. ما زلنا الى اليوم نسأل اسئلة بديهية كان يفترض ان نكون انتهينا من طرحها مثل: كيف نوزع الخسائر ومن يتحمل المسؤولية؟

غسل الدماغ

أريد ان اركز على لماذا وصلنا الى هنا حتى لا نكرر الخطأ، ولا يستمر هذا المسار الذي اسميه «غسل الدماغ». هناك مسار ممنهج لغسل الدماغ وهذا ليس صدفة. كما ان حالة الانكار مستمرة الى اليوم لدرجة انهم لا يريدون استعمال كلمة «خسائر». اذا كنا لا نعترف ان هناك خسائر، يعني اننا ما زلنا في بداية الطريق.

قمنا بما يجب القيام به

ماذا كان المطلوب من حكومتنا؟ جئنا بعد بدء الانهيار المالي. كان المطلوب قول الحقيقة ومصارحة الناس، وتشخيص المرض ووضع علاج له او خطة. حكومة حسان دياب قامت بذلك. لأول مرة وبشكل رسمي قيلت الحقيقة، بعد كل الكذب عن الفجوة وايهام الناس ان حالة مصرف لبنان بخير، وان المشكلة آتية من المالية العامة. وهنا يجدر التذكير ببديهية ان أزمة المالية العامة هي بالليرة، علما ان ازمتنا هي الشح بالدولار.


نقص العضل

استعنا بشركة عالمية ووضعنا خطة. بدأت الاشكالية عند بدء التنفيذ. سبق وقلت واكرر ان العضل السياسي والعضل الاعلامي اللازمين لتنفيذ الخطة في هكذا نظام لم يكونا موجودين، وهنا مكمن ضعف الحكومة. اما ان يقال ان الحكومة لم تقل الحقيقة ولم تضع خطة، او انها وزعت الخسائر بشكل غير صحيح، او انها حملت مسؤوليات لقطاعات ما كان يجب شمولها بالمسؤوليات... فهذه اكاذيب لا يمكن ان اقبلها. واذا لم يقتنع اللبنانيون بهذه الفكرة، فاستطيع القول انه من الآن الى 100 سنة سنبقى «فايتين بالحيط».


كان علينا معرفة كيفية ايقاف سعر الصرف لابقاء المجتمع قادراً نسبياً على الصمود، حتى نعيد اعادة انعاش الحياة الاقتصادية. لو نفذت الخطة كان الدولار بقي مثبتا على 3500 و4000 ليرة لمدة 5 سنوات. وهنا ادعو كل لبناني ولبنانية الى التفكير بهذه النقطة لو كانت الخطة نفذت.

أمران مختلفان

اما بالنسبة لتوزيع الخسائر وتحديد المسؤوليات فهما امران مختلفان. تحديد المسؤوليات مسألة قانونية: هل كانت هناك قلة معرفة او اهمال؟ او كان هناك عمل جرمي يستحق الملاحقة لاستعادة الاموال وزج أناس في السجون؟ والنقطة الثانية عبارة عن مسار قضائي يحتاج الى ادلة وبراهين، اذ لا يمكن استباحة كرامات الناس كيفما اتفق. فالعمل على ذلك يمر بقوانين وتدقيق جنائي وقضاء عادل. ونحن راهنا كثيراً على القضاء لكننا اكتشفنا انه يعاني من نفس علل النظام ككل، ومخترق طائفياً وسياسياً...

توزيع عادل وهادف

اما توزيع الخسائر فكان بشكل عادل وهادف. وذلك من مبدأ ان اي مؤسسة تفلس، وقبل الذهاب الى تحديد المسؤوليات والى الدعاوى القضائية التي تأتي لاحقاً، اول ما يجب تطبيقه هو قاعدة اساسية في اي نظام راسمالي ليبرالي، وهنا اتحدث عن شطب الرأسمال حتى يتحمل المسؤولية المساهم اولاً وليس المودع. بعد ذلك، اذا رأى المساهم ان طرفاً يجب ان يدعي عليه فبامكانه ذلك، وبامكانه استعادة ما خسره واكثر ربما اذا لم يكن مخطئاً.

بعد المساهم يأتي الدائن في الدرجة الثانية، ثم المودع في الدرجة الثالثة، المودع الذي لم يكن يقوم بعمليات تجارية بل اودع امواله ومن حقه استعادتها.

هجوم الترويكا

تعرضنا لما اسميه «هجوم الترويكا». ما نراه اليوم لجهة ان القطاع المصرفي في جهة والطبقة السياسية في جهة اخرى ومصرف لبنان في ثالثة، استطيع ان اقول، ووفقاً لما عايشته، ان الامر ليس كذلك. ما لمسته انها كانت ترويكا معاً، وتشمل مجلس النواب وتحديداً لجنة تقصي الحقائق التي انبثقت من لجنة المال والموازنة وتمثل فيها الجميع من «حزب الله» الى القوات اللبنانية وما بينهما. وللامانة يمكنني القول ان حزب الكتائب لم يكن معهم لكني لست متأكدة من ذلك. الى النواب أضيف مصرف لبنان، ثم المصارف التي اتت بالخطة البديلة. عملوا معاً ونسفوا الخطة، لماذا؟

لم نستطع التنفيذ لاننا كنا بحاجة لسن قوانين في البرلمان ولقطاع مصرفي متعاون...

تصفية الخسائر

النتيجة نعيشها اليوم، وهي الخطة البديلة التي تصفي الخسائر مع الوقت وتنقلها من ميزانيات المؤسسات الخاسرة الى جيوب عموم اللبنانيين وليس فقط المودعين. فعندما يصل الدولار الى 60 او 70 او 80 او 90 الف ليرة، فهذا يعني ان الخسائر طالت الجميع وليس المودعين فقط، وبالتالي فقد الجميع مقومات الصمود. ويخسر المودع عند كل سحب للدولار على 3900 ثم 8 الاف ليرة وبالشيكات التي تتعرض لهيركات بنسبة 85% من قيمتها... ان تحميل الخسارة يقع على آخر شخص كان يجب ان يتحمل الخسارة وهو المودع.

في تموز 2020 كانت المصارف تقول: لا نجتمع مع الحكومة قبل اطلاق صندوق سيادي يضم اصولاً بنحو 40 مليار دولار، وهنا توقف المسار ووقع انفجار المرفأ!

هل من أحد يعتذر؟

ضربت الخطة من جهة الارقام بادعاء انها خطأ، علماً بانه تبين لاحقاً والآن انها صحيحة. فهل رأينا احداً اعتذر؟ ضربت الخطة بادعاء ان التوقف عن السداد هو سبب الازمة، علماً بانه نتيجة الازمة وليس سببها. اتفهم شخصاً يقول انه لم يكن مناسباً اعلان التوقف عن السداد، اما الامعان في غسل ادمغة اللبنانيين بان التوقف عن السداد هو سبب الازمة فهذا ارفضه. وهنا يجدر التذكير بان الحكومة اللبنانية في تشرين 2019 دفعت يوروبوندز، وكانت النتيجة ان قيمة السندات استمرت بالهبوط وصنفنا بعد الدفع في خانة التعثر عن الدفع. ما يعني ان الأموال دفعت وخرجت من البلاد، اموال كان يمكن الابقاء عليها في احتياطياتنا. ولولا التوقف عن السداد لكنا دفعنا تباعاً 10.5 مليارات اضافية.

الاولوية كانت لتوزيع الخسائر واقرار الكابيتال كونترول، ثم يأتي تجديد المسؤوليات في مسار طويل، وكنا بدأنا به. وهنا اذكر الجميع بكل القوانين اللازمة التي طرحناها لذلك آنذاك.

جان طويلة: ايام حكومة حسان دياب كان الحديث عن خسائر بنحو 45 مليار دولار، بعد اكثر من 3 سنوات نتحدث اليوم عن اكثر من 75 مليار دولار. وهنا لا بد من الافادة من خبرة الاستاذ البير كوستانيان... لا سيما ان مصرف لبنان يدعي بانه يقوم بما عليه وانه غير مسؤول عما حصل... كيف تفاقمت الفجوة التي يتحملها الشعب اللبناني؟

البير كوستانيان: خطة الظل كانت وما زالت موجودة وتهدف الى عدم الاعتراف بالخسائر، وتحميلها للشعب اللبناني وخصوصا المودع الصغير علما بأنه الاكثر حاجة الى وديعته بالدولار، فاذا به يخسر 80% كلما سحب منها مبلغاً ما، وبالتالي يتناقص مخزون الودائع بشكل عام. الخطة القائمة هي ليلرة هذه الودائع.


إلهاء الناس

وفي الاثناء يستمرون في الهاء الناس بنقاش حول الخسائر. بدأ ذلك منذ 3 سنوات مع منظومة اعلامية وسياسية مصرفية برلمانية انقضت على اول محاولة للحلحلة. رغم تحفظاتنا الهامشية على خطة حسان دياب، لكنها كانت محاولة يعول عليها لانها اعترفت بالخسائر وكان يمكن البناء عليها لتحسين ما يمكن تحسينه، فاذا بهم ينسفونها نسفاً، وهذا مستمر الى اليوم. وربما للأسف ربحوا المعركة مع تعالي اصوات مثل اننا لسنا بحاجة لصندوق النقد بادعاء اننا لن نحصل منه الا على 3 مليارات دولار، وان الشروط غير مناسبىة لنا وان جماعة الصندوق «ما بيفهموا» ولا حتى شركة لازار كما بقية اقتصاديي العالم!!


شعار مدسوس

هناك منظومة سياسية واعلامية تعمل تحت شعار قدسية الودائع، الشعار المدسوس المضلل مثل ان مريضاً يستمع الى طبيب دجال يقول له انت لست بمريض. يعملون تحت هذا الشعار المضلل ووهم استعادة الودائع بين 5 الى 10 سنوات. هذا يضرب اي محاولة للحلحلة ويسهل تمرير تنفيذ الخطة البديلة.

من المسؤول؟

اريد التفريق بين المسؤولية المعنوية والمسؤولية القانونية والقدرة على الدفع. المسؤولية المعنوية تقع على الجميع، هي على الحكومات اولاً التي راكمت الدين العام واعطت الامر لمصرف لبنان لتثبيت سعر الصرف بهدف شراء ضمائر اللبنانيين وسكوتهم وتركهم يعيشون فوق طاقتهم في مدى 30 سنة.

تقع المسؤولية على مصرف لبنان ايضا لانه لم يكن شفافاً و»زعبر» بالحسابات. هو مهمته الاساسية الحفاظ على سلامة النقد فاذا به يضع الأوساخ تحت السجادة، ويلجأ الى هندسات قائمة على ألاعيب محاسبية كان لا بد من افتضاح امرها.

المسؤولية على المصارف التجارية ايضا التي استفادت من السيستم. المصرفيون ضللوا الرأي العام باصرارهم حتى آخر دقيقة وهم يقولون للناس ان الامور بخير ويدفعون فوائد، رغم انهم كانوا يعلمون انهم «فايتين بالحيط»، بدليل اموال كل مساهمي المصارف في الخارج لانهم غير مؤمنين بهذا السيستم.

ثم تأتي المسؤولية على كبار المودعين، اذ كان بعضهم مستفيداً من هذا السيستم على حساب الأمن الاجتماعي والاقتصادي.

كما ان المسؤولية على الاعلام الذي امتهن تضليل الرأي العام مستخدماً مقولة ان الليرة بالف خير، بكذب هدفه ابقاء الناس مؤمنة بالسيستم...


الدولة أنا وأنت وأنتم

اما بالنسبة للمسؤولية القانونية فلا استطيع ان ارميها على الدولة، الدولة هي انا وانت وانتم. الدولة لنا، اصولها لدافعي الضرائب. المسؤولية القانونية هي على القيمين على الدولة: الرؤساء والوزراء الذين سرقوا ونهبوا واخرجوا اموالهم من لبنان. كما على المصارف التي لم تدرس المخاطر بشكل جيد ووضعت 95% من اموال المودعين في جيبة واحدة هي جيبة الدولة المفلسة. واضيف الى ذلك مسألة تسريب المعلومات الداخلية او سوء استخدام المعلومات المميزة التي استفاد منها من استفاد، لانه علم قبل غيره ان السيستم سيقع. ثم هناك الاستنسابية عندما سمحوا باخراج اموال لأناس دون غيرهم... هذه كلها جرائم، وهنا لا استثني لجنة الرقابة على المصارف الغارقة في ذلك مع البنوك. كل ما سبق ذكره هو على عاتق القانون والقضاء. واخذت عهداً على نفسي في الاعلام ألا أوهم الناس ان الاعلام محكمة.

جان طويلة: هناك خطة الظل التي تحدث عنها الاستاذ البير وتنفيذها مستمر منذ 3 سنوات، ويتحمل خسائرها ومسؤوليتها الشعب البناني ككل. كما لو اننا نتحدث عن بناية اصابها الزلزال وعلى سكانها ان يزيلوا الانقاض بانفسهم... كيف ترى توزيع الخسائر وهل من بديل لصندوق النقد الدولي؟

عادل افيوني: لسنا اول بلد يمر بازمة من هذا النوع. بل نحن من الحالات النادرة في العالم من حيث المعالجة بهذا السوء. هناك هرطقات مالية لا تصدق والتضليل اوالتزييف بات السمة المقبولة للأسف!

كل حاجة بالليرة تتم تلبيتها الآن عبر طبع العملة الذي يدفع ثمنه المواطن تدهوراً في سعر الصرف وتضخماً. اما تلبية الطلب على الدولار فيتم عبر استخدام الاحتياطي المتبقي في مصرف لبنان، استخدام يفاقم خسارة المودع. في المقابل هناك محظيون يستفيدون.

خسائر جسيمة على المصارف

علينا الاعتراف ان الدولة تعثرت وكذلك البنك المركزي، ليتم اقتطاع من الدين العام، وهذا يخلق خسائر جسيمة في المصارف التي تقع عليها مسؤولية المخاطرة التي ارتكبتها بالاستثمار بالسندات وشهادات الايداع سعياً وراء الربح. المخاطر كانت معروفة للجميع، ولا يجوز لأحد ان يدعي انه لم يكن يعلم بها. بعد حساب الخسائر تشطب الرساميل، ويحيد صاحب المصرف عن مصرفه، وهذه من بديهيات الرأسمالية. حتى اليوم لا اعتراف كامل بأن الرساميل طارت، وان المصرف لم يعد يملكه المساهمون السابقون. كيف يمكن القبول بذلك؟ والأنكى ان المصرفيين يعطلون الحلول!!

تبقى خسائر يتكبدها الدائنون اي المودعون. وهنا ننظم التراتبية الاجتماعية العادلة التي تقوم على ان كبار المودعين يتكبدون اكثر من صغار المودعين.

تمييز بين المودعين

ثم نرى مَن من المودعين كان عادياً او مضارباً. هناك من اودع امواله في لبنان ليس لانه مجبر على ذلك، بل لانه سعى وراء الفوائد العالية. هناك اجانب ومغتربون لم يكونوا مجبرين على ايداع اموالهم في البنوك اللبنانية وهم مستثمرون مضاربون لديهم إلمام بالمخاطر لكنهم يسعون وراء الربح. ثم لدينا المودع العام الذي يدخر جنى عمره، ولم يكن لديه فرصة اخرى لتوظيف ماله الا في المصارف، كما لا ننسى ودائع النقابات والمؤسسات الخيرية... اذا، نميز بين المودع المستثمر والمودع العادي عندما تتدخل الدولة مجدداً (بعد اعادة الهيكلة) وتنظر الى الازمة الاجتماعية الناتجة عن خسارة الودائع. على الدولة مسؤولية تجاه فئة معينة من اصحاب الودائع ضمن شبكة امان اجتماعية.

جان طويلة: هل ما طرحه الوزير افيوني يمكن تطبيقه قانونيا؟ وكيف يمكن الخروج من خطة الظل من خلال القانون والمؤسسات وما تبقى من الديمقراطية لنستطيع الوصول الى انفراج في هذه الازمة؟

ماري كلود نجم: اوافق على الآلية التي طرحها الوزير افيوني والا سنستمر في الخطة الخبيثة الحالية القائمة على طبع كمية هائلة من الليرة اللبنانية التي تؤدي الى انهيار في سعر الصرف وارتفاع في الاسعار. ومن حكم 15 سنة بالبارودة ثم 30 سنة بالفساد يستمر الآن بحكم الناس بأموالها. وهنا اريد التذكير بان خطة حكومتنا كانت تضمن حتى 500 الف دولار، وكانت المدخرات الاجتماعية محور ضمان اساسي ايضاً كما ودائع النقابات والجمعيات... مع مرور الوقت لم يعد من المستطاع تحصيل ما كان ممكناً.


لا بد من المواجهة

لا بد لنا من المواجهة: بالكلمة، بالشجاعة، بالشهادة. نحن نشهد ونعترف بجزء من المسؤولية التي علينا لجهة انه لم نستطع النجاح مع ذكر الاسباب. وعندما نتحدث عن مواجهة، لا اقصد مواجهة نظام ومنظومة بكلام عام، لانني لا احبذ هذه الكلمات بل افضل التسمية. عندما كنت في سدة المسؤولية سميت من يجب تسميته ودفعت ثمناً مقابل ذلك. يجب تسمية كل معرقل. فمن يعرقل كشف السرية يجب تسميته، وعندما اتى المحققون الاوروبيون وضعوا مسألة سرية التحقيق، وهذه عرقلة ايضا.


ضرب القطاع المصرفي؟

صحيح اننا خسرنا كحكومة لكن الخسارة الكبيرة وقعت على الشعب اللبناني لا سيما من ليس لديه مقومات الصمود. بخطتهم يهجرون المزيد من الشباب والكفاءات بهدف تحويل الاموال الى الداخل، ولا يبقى في البلد الا المعترون وكبار السن.

كما علينا المواجهة سياسياً. وهنا اتحدث عن الموضوع المالي لدحض مقولات مثل اننا نضرب القطاع المصرفي. نريد المصارف ان تقف على ارجلها لان اموال الناس لديها وعليها رد الاموال مع الزمن. يهولون علينا بان المواجهة لا تسعف في استرداد الاموال. وهنا اسأل هؤلاء: هل تسترد الناس اموالها الآن؟

وفي المواجهة ايضا علينا الحديث عن تغيير النظام. وهذا عمل طويل النفس لكن علينا قبول الفكرة. ما من حل جاهز للغد وبعد غد، علينا العمل للمدى الطويل باتجاه تغيير هذا النظام القائم على الحمايات السياسية والطائفية والامنية والمالية. يوقفون الملفات بالتطييف ويحرضون الناس بالغرائز، وهكذا تضيع الملفات الجامعة للبنانيين مثل ملف المرفأ والملف المالي مع ارتباط دائم بين هذا الايقاف وذاك... وكل ذلك في سبيل التفلت من العقاب. اذا لم يواجه اللبناني ذلك بشجاعة فلا يمكنه ان يصل الى اي حل.

جان طويلة: كلمة الختام للأستاذ كوستانيان

البير كوستانيان: في قضية توزيع الخسائر سأحاول وضع مبادئ نعتقد نحن في «كلنا ارادة» انه يمكن تطبيقها.

بداية يجدر القول ان الحديث عن توزيع الخسائر ليس حديثا ممتعاً، لانه لا يوجد حل عجائبي يرضي الجميع. فالواقعة وقعت ويجب الكف عن الاعتقاد ان الودائع ستتناسل مع الوقت. في المقابل هناك السيناريو البديل السائر على حساب الناس والبلد، وذلك في ظل اقتصاد الكاش تزدهر في تجارات مثل تجارة الكبتاغون مع علمنا من هي الاحزاب التي تحب الكبتاغون وتروج له.

حماية الصغار أولاً

لتوزيع الخسائر علينا اتخاذ خيار حماية اكبر عدد ممكن من الناس. فمع ضمان رد ودائع حتى 100 الف دولار نضمن رد 88% من الحسابات، ونسبتها الى الاجمالي 17%.

هناك 90 مليار دولار مطلوبة من البنك المركزي، المتوفر منها بين المصارف ومصرف لبنان 20 ملياراً فقط، وهذا المبلغ نوجهه الى صغار المودعين.

يبقى 70 ملياراً وعلينا حفض هذا المبلغ الى النصف: نشطب الفوائد التي تراكمت مع عدد من السنوات نحددها، ونشطب ارباح المصارف وقيمتها اكثر من 5 مليارات في السنوات القليلة التي سبقت الازمة مع النظر في امكان استرداد هذا المبلغ قانونيا ام لا، ونجري تمييزاً بين الودائع المشروعة وغير المشروعة. ففي النظام المصرفي الذي كان قائماً على السرية المصرفية الجالبة للاموال الوسخة، يبدو ان هناك من 15 الى 20 مليار دولار غير مشروعة، وهذا ما نسمعه من رؤساء مصارف.

ماذا سنفعل بـ 30-40 مليار دولار؟

بعد الشطب بطريقة فعالة وعادلة للمجتمع، سيبقى لدينا 30 الى 40 مليار دولار من دون حل واضح لاستردادها. نحن نقول انه علينا فعل كل ما يجب فعله لاستردادها، ولكن ليس على حساب الاقتصاد والاجيال المستقبلية، يمكن استرداد مبالغ من استعادة الاموال المنهوبة ومن تحويلات الاموال التي خرجت بطرق غير مشروع غطاها النظام السياسي والاقتصادي.

اما وضع عبء على اللبنانيين في مدى 30 الى 40 سنة عبر خصخصة اصول الدولة او رفع رسوم خدمات تلك الاصول بحيث تعود لتكون كلفة الخلوي والماء والكهرباء الاغلى في العالم حتى ندفع لكبار المودعين لخمسين سنة قادمة، فهذا خيار نحن ضده. وكما قلت: ما من خيار سيرضي الجميع!