خلف «قصة الحب» بين لبنان وقبرص: إعادة تموضع استراتيجي

هل أصبح للبنان «أفضل صديق» جديد؟ منذ وصول الرئيس جوزيف عون إلى قصر بعبدا، بدأ لبنان ينسج علاقات وثيقة مع جار هادئ نسبيًا هو قبرص. فقد كان الرئيس القبرصي أول رئيس دولة أجنبي يُستقبل رسميًا بعد انتخاب عون، وذلك في 10 كانون الثاني 2025، أي بعد يوم واحد فقط من انتخابه. وخلال عام واحد، تبادل الرجلان ما لا يقل عن أربع زيارات، مع وعد بمواصلة هذا الزخم، إذ يُنتظر أن يزور الرئيس عون العاصمة القبرصية نيقوسيا في نيسان المقبل لتوقيع عدة اتفاقيات تعاون.

وفي هذا السياق، وقّعت بيروت ونيقوسيا في تشرين الثاني الماضي اتفاقًا لترسيم الحدود البحرية، اعتبره كثير من المراقبين غير ملائم للبنان. فبحسب هؤلاء، قد يكون البلد خسر ما يصل إلى خمسة آلاف كيلومتر مربع من منطقته البحرية، كما أن الاتفاق أضرّ بعلاقاته مع تركيا التي تحتل شمال الجزيرة ويتزايد دورها الإقليمي بشكل ملحوظ. فتعزيز العلاقات بين بيروت ونيقوسيا، وكذلك مع خصوم أنقرة الآخرين مثل مصر واليونان، يبدو في جوهره رهانا جيوسياسيا في منطقة تعيش تحولات عميقة.

منذ تراجع محور القوى الموالية لإيران تحت الضربات الإسرائيلية، ثم وصول أحمد الشرع إلى السلطة في سوريا في 8 كانون الأول 2024، توسّع دور أنقرة في الشرق الأوسط. وفي وقت تخشى فيه دول المنطقة الوقوع تحت نوع من الهيمنة العسكرية الإسرائيلية، تحاول تركيا تقديم نفسها كقوة موازنة وتسعى لبناء محور قد يضم، من بين دول أخرى، سوريا والمملكة العربية السعودية وباكستان.

وقبيل زيارة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي إلى إسرائيل، تحدث رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن رغبته في بناء محور يمتد من اليونان وقبرص إلى الهند، بهدف مواجهة «المحور الشيعي المتشدد» الذي قال إن إسرائيل وجهت له ضربات قوية، وكذلك «المحور السني المتشدد الناشئ». وقد يشمل هذا المحور دولًا عربية مثل الإمارات العربية المتحدة وربما مصر أيضًا، التي وقّعت مؤخرًا اتفاقًا غازيًا مع إسرائيل، إلى جانب استمرار التعاون الأمني غير المعلن بين الطرفين.

لبنان في «معسكر الاستقرار»؟

من الواضح أن لبنان، الضعيف اقتصاديًا والمثقل بالأزمات، لا يستطيع الانضمام إلى محور تقوده تل أبيب. لكن تقاربه مع قبرص يهدف إلى إرسال إشارات حسن نية. ويقول دبلوماسي غربي:

«كان اللبنانيون يدركون أنهم سيستفزون الأتراك بتوقيع الاتفاق مع قبرص، لكنهم فعلوا ذلك على أي حال. كان ذلك طريقة لإظهار أن بيروت مستعدة أخيرًا لحل مسألة الحدود مع جميع جيرانها، بما في ذلك إسرائيل، حيث لا يزال ترسيم الحدود البرية بحاجة إلى استكمال، وكذلك تثبيت الترسيم البحري».

بهذا المعنى، يسعى لبنان إلى إظهار أنه يراهن على الاستقرار ويرغب في الابتعاد عن سياسة المحاور والانفتاح على التعاون مع دول المنطقة. أي أنه لا ينوي استبدال إيران بتركيا، ويريد أن يبعث بهذه الرسالة إلى الإسرائيليين أيضًا. ويقول الباحث أرنو بيرونيه من مؤسسة الدراسات الاستراتيجية المتوسطية:

«بيروت تريد التمسك بمعسكر الاستقرار الموالي للغرب وتقديم إشارات إيجابية لهذا التكتل، حفاظًا على نفسها من الطموحات الإقليمية التركية والإسرائيلية».
في المقابل، لا يشارك حزب الله هذا التفسير. ففي حزيران 2024، كان أمينه العام السابق حسن نصر الله قد هدد بمهاجمة قبرص إذا استُخدم أراضيها من قبل الجيش الإسرائيلي لشن هجمات ضد الحزب، ما وضع الدولة اللبنانية في موقف حرج. ويقول مصدر قريب من الضاحية الجنوبية:

«كيف يمكن لقبرص، التي تستضيف قواعد بريطانية وربما وجودًا أميركيًا وإسرائيليًا، أن تكون حليفة للبنان؟ ألم توقّع تحالفًا مع الإسرائيليين الذين يقصفون الأراضي اللبنانية يوميًا؟»

وبحسب معلومات متداولة، كان الحزب يفكر في إطلاق حملة إعلامية ضد مشروع ترسيم الحدود البحرية بين بيروت ونيقوسيا، قبل أن يتراجع عن ذلك تفاديًا لمزيد من التوتر مع الرئيس جوزيف عون.

من جهته، يقول محلل سياسي قبرصي إن الاتفاق بين قبرص وإسرائيل ليس تحالفًا هجوميًا ضد لبنان، بل اتفاق دفاعي يشمل دوريات مشتركة، مشيرًا إلى أن قبرص لا تمتلك أصلًا سلاح جو فعليًا باستثناء بعض المروحيات.

كما يؤكد أن الجزيرة حريصة على الحفاظ على علاقات جيدة مع لبنان، خاصة بعد تراجع التوتر المرتبط بملف الهجرة عقب سقوط نظام بشار الأسد وعودة أكثر من مليون لاجئ سوري إلى بلادهم. ويضيف أن قبرص واليونان تعتبران الحفاظ على علاقات جيدة مع دول الجوار أمرًا ضروريًا لإبعادها عن النفوذ التركي وإدارة ملف الهجرة بشكل مشترك.

وفي هذا السياق، يشير إلى أن نيقوسيا قد تقوم بدور وساطة بين لبنان وتركيا إذا طلبت بيروت ذلك. أما مصدر دبلوماسي لبناني فيكتفي بالقول إن بناء علاقات قوية مع قبرص «أمر طبيعي». ويضيف ساخرًا:

«كانت الجزيرة لفترة طويلة جارنا الودود الوحيد. واليوم تتولى الرئاسة الدورية لمجلس الاتحاد الأوروبي، ونحن نرغب في الاستفادة من ذلك».

بين لبنان «العربي» ولبنان «المتوسطي»

من خلال التقارب مع قبرص، يحاول لبنان أيضًا الحفاظ على دوره كجسر بين أوروبا والعالم العربي، أو ربما استعادته. ويقول دبلوماسي غربي:
«لبنان بلد عربي، لكنه أيضًا بلد متوسطي. يجب ألا يغفل هذا الجانب من هويته».

ففي الماضي، وبفعل نشاط التجار المسيحيين ثم السنة لاحقًا، لعب لبنان دور جمهورية تجارية تربط ضفتي البحر المتوسط. لكن هذا الدور تراجع تدريجيًا مع تفاقم أزماته السياسية والاقتصادية والمالية. وجاء انفجار مرفأ بيروت في 4 آب 2020 ليزيد الوضع تعقيدًا. وفي المقابل، كانت إسرائيل توسّع نشاطها التجاري وقطاع الغاز بعد توقيع اتفاقيات سلام مع عدد من الدول العربية.

اليوم، وفي وقت يؤكد فيه «لبنان الجديد» رغبته في استعادة السيادة والازدهار، يسعى إلى استعادة هذا الدور عبر تعزيز علاقاته مع الأوروبيين. لكن منافسًا جديدًا يظهر في الأفق: سوريا. فبعد سقوط نظام بشار الأسد، بدأت دمشق سياسة تحرير اقتصادي واستقطبت استثمارات عربية وأوروبية كبيرة. وبينما لا يزال مرفأ بيروت ينتظر إعادة الإعمار، يتم الاستثمار في مرفأي اللاذقية وطرطوس من قبل شركات دولية، فيما تعد تركيا بإحياء خط سكك حديدية يربط إسطنبول بجدة مرورًا بحلب ودمشق وعمّان.
ومع أن مستقبل هذه المشاريع لا يزال غير مؤكد ويعتمد إلى حد كبير على قدرة سوريا على إدارة انتقالها السياسي والحفاظ على توازن دبلوماسي هش، فإن لبنان لا يستطيع البقاء خارج هذه التحولات. وكذلك الحال بالنسبة إلى قبرص واليونان.