المصدر: النهار
الثلاثاء 20 كانون الثاني 2026 07:59:52
كان لافتاً تصريح وزير الاتصالات شارل الحاج، عن أن نحو مليون مشترك في الخليوي لا يدرّون على الخزينة سوى دولار واحد شهرياً لكل منهم، بسبب لجوئهم إلى شراء الخدمات من السوق غير الرسمية، ما يحقق للتجار أرباحاً على حساب المشتركين والمال العام. هذا الواقع يطرح تساؤلات جدية حيال فعالية السياسات المعتمدة في إدارة خدمات الخطوط المسبقة الدفع، ومدى ملاءمتها للأهداف المالية والتنظيمية المنوطة بالوزارة.
ويعود هذا الوضع، بحسب التوضيحات الصادرة عن الوزير، إلى أن شريحة واسعة من هؤلاء المشتركين لا تحصل على خدمات الاتصالات مباشرة من شركتي الخليوي وفق التعرفة الرسمية، بل تعتمد على تجار وسطاء في السوق، يؤمّنون "الدقائق" و"الأيام" عبر شراء هذه الخدمات من الشركتين، إما من خلال الخطوط الثابتة أو عبر حزم تتضمّن كميات كبيرة من الدقائق، ثم يعيدون بيعها للمستخدمين النهائيين بأسعار تفوق الأسعار الرسمية.
ويؤدي هذا النموذج إلى نشوء سوق غير نظامية، تحقق أرباحاً مرتفعة للوسطاء، من دون أن يقابله مردود مناسب للخزينة العامة أو حماية كافية للمستهلكين.
ورغم وضوح هذه الآلية وآثارها الاقتصادية والاجتماعية، لم تسجل حتى الآن إجراءات تنظيمية كافية لمعالجة الخلل القائم، إذ وفق ما يؤكد معنيون لـ"النهار"، كان من الممكن، من الناحية الإدارية والتنظيمية، اعتماد تدابير من شأنها الحد من لجوء المشتركين إلى السوق غير النظامية، ومنها على سبيل المثال تمديد فترة صلاحية الخطوط المسبقة الدفع ذات الآجال القصيرة، بما يخفف الأعباء المالية عن المستخدمين ذوي الدخل المحدود، ويعزز في الوقت عينه الإيرادات الرسمية المتأتية مباشرة إلى الخزينة العامة.
ويكشف هذا الواقع عن خلل بنيوي في تصميم الحزم (packages) المعتمدة من شركتي الخليوي، إذ لا تراعي هذه الحزم بصورة كافية أوضاع الشريحة الاجتماعية الأكثر هشاشة، والمكونة أساساً من أصحاب الدخل الأدنى، الذين يقدَّر عددهم بنحو مليون مواطن لبناني.
وبدل أن تؤدي هذه الحزم إلى إدماج هذه الفئة ضمن الإطار الرسمي لسوق الاتصالات، تسهم عملياً في دفعها نحو بدائل غير نظامية، وهذا تترتب عليه أعباء إضافية على المشتركين وخسائر مالية غير مباشرة للدولة.
يشار إلى أن المادتين 6 و7 (الفقرة أ) من المرسوم رقم 14264 تاريخ 4/3/2005، المتعلق بالتنظيم الإداري والمالي للهيئة المنظمة للاتصالات، تنصّان صراحة على إنشاء "وحدة السوق والمنافسة" ضمن الهيئة، وتحددان صلاحياتها في حماية السوق وضمان المنافسة المشروعة ومكافحة الممارسات المخالفة. وبموجب هذه النصوص، تقع على عاتق الجهات التنظيمية المختصة مسؤولية رصد الممارسات غير النظامية في سوق الاتصالات واتخاذ التدابير القانونية والتنظيمية اللازمة لمعالجتها، ولا سيما عندما تنعكس سلباً على المستهلكين وعلى المصلحة المالية للدولة.
وبذلك، فإن المسؤولية في هذا الملف تُفهم بوصفها مسؤولية تنظيمية وإدارية ناتجة عن طبيعة الصلاحيات الممنوحة للوزارة والهيئة المنظمة، وما يترتب عليهما من واجب اعتماد سياسات أكثر فاعلية وعدالة في إدارة قطاع حيوي يمس شريحة واسعة من المواطنين والمالية العامة للدولة.