المصدر: النهار
السبت 24 تشرين الأول 2026 14:16:03
تسود الأوساط الفرنسية خيبة أمل متزايدة إزاء أداء القيادة اللبنانية في ما يتعلق بمستقبل الوجود الدولي في جنوب لبنان بعد انسحاب قوات اليونيفيل المقرر في ٣١ كانون الأول المقبل، والتأخر المستمر في تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية والمالية الضرورية لإطلاق عملية إعادة الإعمار وحشد الدعم الدولي لـ لبنان.
ماذا يريد لبنان من فرنسا؟
وكشف مصدر فرنسي رفيع أن انعقاد مؤتمر دولي لدعم لبنان في المستقبل القريب بات مستبعداً، في ظل غياب رؤية واضحة لدى المسؤولين اللبنانيين بشأن ما يريدونه من فرنسا في المرحلة التي ستلي انسحاب اليونيفيل من الجنوب.
وقال المصدر إن "المشكلة في اتخاذ القرارات هي في بيروت وليس في أي مكان آخر"، معتبراً أن القيادة اللبنانية لم تتخذ المبادرات المطلوبة، ولم تقدم إلى باريس أي اقتراح عملي بشأن القوة التي يمكن أن تحل محل اليونيفيل بعد انسحابها في ٣١ ديسمبر، أو الآلية الدولية التي يمكن اعتمادها للحفاظ على الاستقرار في الجنوب.
وأوضح أن الرئيس اللبناني جوزف عون طلب من الولايات المتحدة العمل على إبقاء اليونيفيل، وأيضاً رئيس الحكومة نواف سلام كان يردد خلال وجوده في نيويورك أن لبنان يتمنى استمرار هذه القوات. لكن المسؤولين اللبنانيين يدركون، بحسب المصدر، أن الإدارة الأميركية لا تريد استمرار اليونيفيل، وأنها تلقي مسؤولية هذا الموقف على الرفض الإسرائيلي.
والمثير للاستغراب، وفق المصدر الفرنسي، أن القيادة اللبنانية اكتفت بالمطالبة ببقاء القوة الدولية، من دون أن تطرح أي بديل لليونيفيل بعد انسحابها المقرر، أو أن تبادر إلى التشاور مع باريس بشأن تشكيل قوة دولية أخرى أو اعتماد صيغة جديدة للوجود الدولي في الجنوب.
خطة أُرسلت إلى سلام... ولكن!
وكشف المصدر أن باريس كانت قد أرسلت، قبل بضعة أشهر، خطة إلى رئيس الحكومة نواف سلام تتناول المرحلة المقبلة، لكنها لم تتلقَّ أي جواب من رئيس الحكومة اللبناني. ويعكس هذا الصمت، في نظر الجانب الفرنسي، غياب المبادرة اللبنانية في ملف بالغ الحساسية يتعلق مباشرة بأمن البلاد وسيادتها ومستقبل الجنوب.
وكشف المصدر أن محادثات جرت في باريس مع محاور إسرائيلي زار العاصمة الفرنسية، وتناولت، من بين المواضيع المطروحة، الملف اللبناني، ولا سيما التطورات في الجنوب ومستقبل الوضع الأمني فيه بعد انسحاب قوات اليونيفيل في ٣١ كانون الاول المقبل.
ولم يُخفِ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خيبة أمله من هذا الموقف، إذ عبّر عنها أمام نظيره اللبناني جوزف عون خلال زيارته باريس للمشاركة في الاجتماع التحضيري لدعم الجيش اللبناني.
وتعتبر فرنسا، التي تقف إلى جانب لبنان منذ نحو خمسين عاماً، أن موقف القيادة اللبنانية مخيب للآمال، خصوصاً في مرحلة تتزايد فيها المخاطر على الجنوب. فالقناعة السائدة في باريس، بحسب المصدر، هي أنه إذا بقي بنيامين نتنياهو في السلطة بعد الانتخابات الإسرائيلية، فإن إسرائيل قد تواصل وجودها العسكري في الجنوب اللبناني لفترة طويلة، بما يؤدي إلى استمرار تهجير السكان من قراهم، بعدما اضطر عدد كبير منهم بالفعل إلى مغادرتها نتيجة العمليات العسكرية والدمار الذي لحق بها.
ومن هنا، ترى باريس أن غياب التحرك اللبناني لإعداد مرحلة ما بعد انسحاب اليونيفيل في ٣١ كانون الاول يثير تساؤلات جدية، لأن رحيل القوات الدولية من دون وجود بديل متفق عليه قد يترك فراغاً أمنياً وسياسياً في منطقة شديدة الحساسية.
ولا تقتصر خيبة الأمل الفرنسية على الملف الأمني، بل تشمل أيضاً البطء في تنفيذ الإصلاحات المالية والاقتصادية. وتتساءل الأوساط الفرنسية كيف يمكن حشد التمويل الدولي لإعادة إعمار لبنان، فيما لا تزال الإصلاحات الأساسية متأخرة، ولم يُقرّ قانون الفجوة المالية الذي يشكل أحد الملفات المحورية لمعالجة الأزمة المصرفية والمالية.
وتعتبر باريس أن المجتمع الدولي لا يستطيع الالتزام بمساعدات واسعة لإعادة الإعمار من دون خطوات لبنانية جدية تعيد الثقة بالمؤسسات والقطاع المالي، وتؤكد استعداد السلطات لتحمل مسؤولياتها.
ويشير المصدر إلى أن الجانب الفرنسي يشعر بأن المسؤولين اللبنانيين يتصرفون وكأن الولايات المتحدة ستتولى وحدها معالجة الملفات اللبنانية، من دون توجيه طلبات واضحة إلى فرنسا أو الاستفادة من استعدادها للمساعدة في البحث عن حلول.
لكن هذه المقاربة تثير استغراب باريس، خصوصاً أن الموقف الأميركي، وفق التقييم الفرنسي الذي ينقله المصدر، منحاز بالكامل إلى إسرائيل، ولا يوفر للبنان الضمانات التي يحتاج إليها في مواجهة استمرار الاحتلال الإسرائيلي لأجزاء من أراضيه.
وهكذا، تبدو خيبة الأمل الفرنسية مزدوجة: فمن جهة، غياب المبادرة اللبنانية بشأن مستقبل الجنوب بعد انسحاب اليونيفيل ، ومن جهة أخرى، استمرار التعثر في الإصلاحات التي تشكل المدخل الضروري للحصول على المساعدات الدولية وإعادة الإعمار.
والرسالة التي تنقلها الأوساط الفرنسية واضحة: لا تستطيع باريس أن تحدد نيابة عن بيروت ما تريده للبنان، ولا أن تتحرك وحدها لتأمين الدعم الدولي في غياب قرارات ومطالب لبنانية واضحة. فالمشكلة، كما يلخصها المصدر الفرنسي الرفيع، ليست في غياب الاستعداد الخارجي لمساعدة لبنان، بل في غياب المبادرة والقرار في بيروت.