المصدر: وكالة الأنباء المركزية
الكاتب: جوانا فرحات
الاثنين 18 أيار 2026 16:12:03
"نحنا مرتاحين هون وما راح نفلّ من منطقة البيال ونروح على مجمع المدينة الرياضية". بهذه النبرة يتحدث النازحون من قرى جنوبية لجأوا منذ حوالى الشهرين إلى واجهة بيروت البحرية "البيال" ونصبوا الخيم ويرفضون مغادرتها ،علماً أن لا كهرباء منذ الأيام الأولى للحرب، ولا مراحيض موقتة على رغم المساعي التي قام بها وفد من النازحين للحصول على الموافقة من بلدية بيروت والمساعدات "بالقطارة" بحيث باتت تقتصر على المبادرات الفردية والمتبرعين والمقتدرين على عكس الأيام الأولى من النزوح.
أمام هذه الظروف التي يعيشها النازحون في واجهة بيروت البحرية، خصوصاً عند تردّي الأحوال الجوية، يصبح من البديهي السؤال عن أسباب رفضهم مغادرة هذا "المكان" خصوصا أن البديل مجهز بالكامل في المدينة الرياضية.
مصادر بيروتية تؤكد لـ"المركزية" أن "حجة" بعض النازحين عدم مغادرة الخيم التي شيدوها على الطريق عند واجهة بيروت البحرية هي الخوف من فقدان الحد الأدنى من الاستقرار الذي تمكنوا من بنائه في مكان نزوحهم الحالي، إضافة إلى انعدام الثقة بالوعود الرسمية نتيجة تجارب سابقة عاشوها مع مراكز الإيواء والخدمات العامة في حروب الإسناد التي شنها حزب الله سابقا ومن غياب الخصوصية. لكن كل هذه التبريرات تسقط أمام الأسباب المبطنة التي يخشاها نواب بيروت والأهالي، إذ أن استمرار البقاء في خيم موقتة ضمن منطقة غير مجهزة للسكن الطويل الأمد يحمل تداعيات خطيرة قد تصبح أكثر تعقيداً مع الوقت.
أولى المخاطر ،وفق المصادر، تتمثل في الجانب الصحي. فالخيم الموقتة لا يمكن أن تؤمن بيئة صحية سليمة لفترات طويلة، خصوصاً مع ارتفاع درجات الحرارة أو تغير الأحوال الجوية. كما أن ضعف شبكات الصرف الصحي ونقص المياه النظيفة قد يؤديان إلى انتشار الأمراض المعدية والأوبئة، ولا سيما بين الأطفال وكبار السن. كذلك فإن غياب الرعاية الطبية الدائمة داخل أماكن النزوح العشوائي قد يحرم المرضى من متابعة أوضاعهم الصحية، وتصبح الحالات الطارئة أكثر صعوبة من حيث الاستجابة السريعة.
أما من الناحية الإنسانية، فإن استمرار العائلات في ظروف إقامة هشة يفاقم الضغوط النفسية والاجتماعية، خصوصاً لدى الأطفال الذين يعيشون حالة من الخوف وعدم الاستقرار الدائم، ما ينعكس على سلوكهم وصحتهم النفسية ومستقبلهم التعليمي.
إجتماعيا مجرد وجود تجمعات نزوح عشوائية داخل العاصمة في غياب الإدارة المركزية والإشراف المباشر قد يؤدي إلى فوضى في توزيع المساعدات أو إلى استغلال بعض المحتاجين من قبل جهات مختلفة. كما أن الاكتظاظ في أماكن غير مهيأة قد يرفع من احتمالات وقوع إشكالات اجتماعية أو أمنية نتيجة الضغط النفسي والمعيشي.
وتلفت المصادر إلى الصعوبات التي تواجهها القوى الأمنية والبلديات في مسألة تنظيم الحركة والخدمات داخل "مجمع خيم البيال" غير الرسمي ما ينعكس على حياة السكان المحيطين وعلى قدرة الدولة في إدارة الأزمة بصورة فعالة. هذا عدا عن الضغط على البنية التحتية في العاصمة بيروت التي تعاني أساساً من أزمات حادة في الكهرباء والمياه والنفايات والخدمات العامة. وبالتالي فإن استمرار إقامة مئات العائلات في مواقع غير مجهزة يفاقم الضغط على البنية التحتية الهشة. ومع مرور الوقت، قد تتحول المخيمات الموقتة إلى بؤر تعاني من تراكم النفايات وتراجع الشروط البيئية والصحية، الأمر الذي يهدد السلامة العامة.
تبقى التحديات الأمنية وهنا الهلع ضروري. فالهواجس المطروحة ترتبط بإمكانية استغلال أي تجمعات نزوح غير منظمة لإعادة إنتاج مشاهد أمنية مشابهة لأحداث 7 أيار 2008. ويستند أصحاب هذه المخاوف إلى عدة عوامل أبرزها، وجود تجمعات بشرية كبيرة خارج التنظيم الرسمي للدولة، والتوتر السياسي والطائفي المرتفع في البلاد، وضعف مؤسسات الدولة والأجهزة الخدماتية، والذاكرة الجماعية الثقيلة لأحداث 7 أيار و"القمصان السود"وما تركته من انقسام وخوف داخل الشارع البيروتي.
في المقابل، تعتبر جهات سياسية أن الربط المباشر بين النازحين المدنيين وبين سيناريوهات أمنية أو عسكرية أمر خطير وقد يؤدي إلى توتير الأجواء وزيادة الاحتقان ضد العائلات النازحة، خصوصاً أن غالبية الموجودين في الخيم هم نساء وأطفال وعائلات فقدت منازلها أو اضطرت للنزوح بسبب الظروف الأمنية، وتؤكد المصادر نقلا عن مرجعيات رسمية أن ملف الإيواء يخضع لإشراف الدولة والجيش اللبناني والأجهزة الأمنية، وأن الهدف من نقل النازحين إلى المدينة الرياضية هو تنظيم الوضع ومنع أي فوضى أو استغلال سياسي أو أمني، عدا عن تجهيزه لاستقبال النازحين وتوفير الحد الأدنى من مقومات الحياة، من فرش وأغطية ومياه وخدمات صحية وأمنية. غير أن نجاح هذه الخطوة لا يرتبط فقط بتأمين المكان، بل أيضاً بقدرة الدولة على بناء الثقة مع النازحين وضمان كرامتهم الإنسانية داخل مراكز الإيواء.
الواضح أن شبح 7 أيار لا يزال حاضراً بقوة في الوعي اللبناني، وهذا هو المطلوب. وتختم المصادر" لذلك فإن أي تحرك غير منظم أو انتشار مفاجئ داخل بيروت يُقرأ سريعاً من زاوية أمنية وطائفية، حتى لو كانت أسبابه إنسانية في الأصل. ولهذا السبب تحديداً، ترتفع الدعوات إلى إدارة ملف النزوح بشفافية وحزم في آن واحد، منعاً لتحويل الأزمة الإنسانية إلى مادة للتجاذب السياسي أو الترهيب الأمني الوارد في أي لحظة".