دبلوماسية ماكرون تواجه جدارًا من العراقيل

تشكل زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى قبرص اليوم، محطة سياسية في إطار تحركات دبلوماسية فرنسية مكثفة، تهدف إلى تعزيز الحضور الأوروبي في شرق المتوسط ومواكبة التحولات الأمنية والسياسية التي تشهدها المنطقة.

يتبين من جهود الرئيس ماكرون في الأيام الأخيرة، أن المبادرة الفرنسية لمواجهة الحرب بين "حزب الله" وإسرائيل محكومة بالقيود السياسية الكبرى على الأرض، سواء في لبنان أو على المستوى الدولي. الاتصالات المكثفة مع القيادات اللبنانية، ومحاولة تطوير الاتصالات وتحويلها في مرحلة ثانية إلى المحافل الأوروبية بين دول الاتحاد والدولية في الأمم المتحدة، اصطدمت بمقاومة صلبة من واشنطن وتل أبيب، مما يبرز صعوبة الوصول إلى حل سياسي ملموس في ظل التوترات الإقليمية المعقدة، وغياب إرادة قوية لدى السلطة اللبنانية لتطبيق أي خطوات حقيقية على الأرض، للقرارات التي اتخذتها الحكومة منذ الخامس من آب في شأن "حزب الله".

قلق أوروبي متصاعد

كما تأتي زيارة ماكرون إلى قبرص في ظل قلق أوروبي متصاعد من اتساع رقعة المواجهات في الشرق الأوسط، واحتمال انزلاق المنطقة إلى حرب أوسع قد تؤثر مباشرة على الأمن الأوروبي، سواء من خلال موجات الهجرة أو اضطراب إمدادات الطاقة أو تصاعد التهديدات الأمنية.

وفي هذا السياق، يبرز الملف اللبناني بوصفه أحد أبرز القضايا الذي يحضر في تحركات الرئيس الفرنسي. ركزت جهود ماكرون التي بدأها يوم الجمعة الماضي على التواصل مع أبرز القيادات اللبنانية، لضبط الوضع على الحدود الجنوبية وتعزيز سلطة الدولة. فقد أجرى الرئيس الفرنسي اتصالات مباشرة مع الرئيس اللبناني جوزاف عون، ورئيس البرلمان نبيه بري، ورئيس الحكومة نواف سلام، في محاولة لتقييم التطورات الميدانية والسياسية.

الهدف كان وضع تصور متكامل لمبادرة خفض التوتر تدريجيًا، يتضمن تهدئة على الأرض، تعزيز سيطرة الجيش اللبناني على مناطق الجنوب، ومن بعدها على كامل الأراضي اللبنانية مع إيجاد تسوية نهائية لسلاح "حزب الله"، تؤدي إلى حصره بيد الجيش اللبناني، وفتح قنوات للحوار مع الفاعلين المحليين. ومع ذلك، أظهرت هذه الاتصالات محدودية قدرة السلطة اللبنانية على تنفيذ أي خطوات فعالة، إذ يشير المراقبون إلى أن الحكومة تباطأت في معالجة ملف نزع سلاح "الحزب"، وأنها ربما أعطت إشارات مضللة للأسرة الدولية حول سيطرة الجيش على جنوب لبنان، فيما الواقع مغاير تمامًا.

بين بروكسل ومجلس الأمن

انطلاقًا من هذا التقييم، كان تحرك ماكرون يهدف في مرحلة ثانية إلى تطوير مبادرته وطرحها مبادرة سياسية أوروبية أولًا، قبل نقلها إلى مجلس الأمن، ولكن اتصالات ماكرون مع نظيره الأميركي دونالد ترامب ورئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو كانت سلبية. رفضت واشنطن بصراحة أن تمنح السلطة اللبنانية الحالية هامش تحرك إضافيًا في هذا الملف، معتبرة أنها لم تقم بما عليها حيال نزع سلاح "حزب الله". وقد ساهم في هذا الموقف، مؤثرون بارزون داخل الإدارة الأميركية، على رأسهم السيناتور ليندسي غراهام، الذي وضع مع مجموعة من أعضاء مجلس الشيوخ وأجهزة نافذة في الإدارة قيودًا سياسية على أي تعاون مباشر مع السلطة اللبنانية، معتبرين أن الحكومة توفر تغطية لـ "الحزب"، وأن واشنطن استثمرت في السلطة الجديدة في لبنان وفي مؤسسة الجيش منذ سنوات من دون أن تنجز خطوات حقيقية على الأرض

واشنطن وتل أبيب غير مهتمتين

على الصعيد الإسرائيلي، رفض رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أي تفاوض حول المبادرة الفرنسية، مؤكدًا أنه لن يقبل بعد الآن بأي تهديد أمني على الحدود الشمالية والمستوطنات الإسرائيلية. وقد اعتبر "حزب الله" أبرز مصدر للخطر، إلى جانب التنظيمات المسلحة الأخرى في المنطقة.

العلاقة الشخصية بين ماكرون ونتنياهو بقيت باردة جدًا، خصوصًا بعد مبادرة باريس مع المملكة العربية السعودية الاعتراف بدولة فلسطينية، مما زاد من حساسية تل أبيب تجاه أي مقترحات فرنسية في لبنان. من جهة أخرى، لم تبادر إدارة دونالد ترامب إلى دعم المبادرة الفرنسية، تاركة لإسرائيل حرية التصرف الكامل تجاه "حزب الله"، في حين انشغلت واشنطن بمواجهة التهديد الإيراني في المنطقة، ما قلّص هامش المبادرة الفرنسية.

السلطة اللبنانية تحت المجهر

تواجه المبادرة الفرنسية تحديات داخلية كبيرة في لبنان، إذ يُنظر إلى السلطة على أنها لم تنفذ التزاماتها الدولية بشكل كافٍ، وأنها تباطأت في السيطرة على سلاح "الحزب". وقد أدى هذا إلى فقدان الثقة من جانب العديد من الدول الغربية والعربية، التي تعتبر أن الحكومة اللبنانية لم تُظهر جدية في تطبيق سيادة الدولة على كامل أراضيها.

النتيجة أن المبادرة الفرنسية، رغم دبلوماسيتها المكثفة وجهود ماكرون المتواصلة، اصطدمت بسقف من المقاومة السياسية والأمنية الإقليمية والدولية، مما يعكس محدودية قدرة أي طرف على فرض حلول في لبنان من دون توافق دولي وإقليمي واسع، وهو ما يضعف فرص خفض التوتر في المدى القريب.

توضح جهود الرئيس ماكرون الأخيرة، أن المبادرة الفرنسية لمواجهة تصعيد "حزب الله" وإسرائيل تبقى محكومة بالقيود السياسية الكبرى على الأرض، سواء في لبنان أو على المستوى الدولي. وبالتالي يمكن القول إن المسعى الفرنسي وضع على الرف.