دبلوماسيون بِلباس عسكري

غالبًا ما تتمتع الأنظمة الاستبدادية بمزايا هيكلية في مجال التحكّم بالمعلومات، لا سيما من حيث الانضباط المركزي في إصدار البيانات. وفي هذا السياق، برز مؤخرًا تكرار إيران لادعائها بأن "دبلوماسييها" قُتلوا في غارة إسرائيلية على لبنان. ويُظهر التدقيق في توقيت هذه الرواية وصياغتها وتطوّرها مدى التشابك المُتعمّد بين المجالات العسكرية والدبلوماسية والإعلامية. فهذه ليست مجرد رواية، بل استراتيجية تواصل تهدف أساسًا إلى تأطير التفسير القانوني للحادثة، والتأثير في الديناميات الدبلوماسية، والردّ على قرار لبنان إعلان السفير الإيراني شخصًا غير مرغوب فيه.

بالفعل، يعود الادعاء الأولي إلى 10 آذار 2026، حين أعلنت طهران أن أربعة "دبلوماسيين" إيرانيين لقوا حتفهم في غارة إسرائيلية نُفذت في 8 آذار على بيروت. ولم يكن ذلك مجرد تقرير وقائعي، بل كان تأطيرًا قانونيًا مدروسًا. فمن منظور القانون الدولي، يخدم توصيف القتلى كدبلوماسيين إبراز الضربة باعتبارها جريمة حرب محتملة، أو على الأقل انتهاكًا لاتفاقية فيينا. وحتى لو أشارت الأدلة لاحقًا إلى أن الأفراد كانوا عناصر في الحرس الثوري الإيراني لا دبلوماسيين معتمدين، فإن هذا التصنيف يظلّ حاسمًا، نظرًا لما يتمتع به الدبلوماسيون من حماية قانونية لا تُمنح للعسكريين؛ وهو الإطار الذي يُسهم في توجيه ردود الفعل الدولية وتحديد العواقب المحتملة.

وبعد أسبوعين، أي في 27 آذار، عادت الرواية الإيرانية إلى الظهور، إذ دانت وزارة الخارجية الإيرانية الضربة، كما نقلت ذلك وسائل إعلام تابعة لمحور "الممانعة"، وأكّدت مجددًا توصيف القتلى بأنهم دبلوماسيون. مشيرةً هذه المرة إلى ست ضحايا بدلاً من أربع، وذلك مباشرةً عقب طرد لبنان السفير الإيراني محمد رضا شيباني. أما هذا التكرار والتضخيم العددي، أي الانتقال من أربعة "دبلوماسيين" إلى ستة، فيهدف إلى تعزيز الثقل القانوني للرواية من خلال تصوير الحادثة على أنها ذات خطورة أعلى.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن ادعاء طهران المتجدّد بشأن مقتل "دبلوماسيين" إيرانيين يهدف إلى تصوير نفسها كضحية للعدوان الإسرائيلي على الأراضي اللبنانية، بما يتيح التشكيك ضمنيًا في شرعية قرار بيروت بطرد سفيرها. فإذا كان هؤلاء قد استُهدفوا على الأراضي اللبنانية، فكيف يُبرَّر سياسيًا ودبلوماسيًا أن تتجه بيروت إلى طرد السفير بدلًا من التصدّي لهذا الانتهاك؟ الرسالة الكامنة هي أن لبنان ينأى بنفسه عن إيران حتى في لحظة تعرّضها لاعتداء داخل أراضيه، ما يجعل قرار الطرد يبدو غير متسق سياسيًا ودبلوماسيًا. وبهذا المعنى، توفر الضربة مادةً قانونية وأخلاقية، فيما يشكّل طرد السفير أداةً لتضخيمها وإعادة تدويرها على الساحة الدولية.

ولا يعكس الجمع بين توصيف "الدبلوماسي" وإظهار القتلى بلباس عسكري تناقضًا بقدر ما يعكس استراتيجية خطابية مزدوجة؛ إذ تُوظَف الصفة الدبلوماسية لتأطير الضربة قانونيًا على الساحة الدولية، فيما يُستثمر الانتماء العسكري لتكريس سردية الشهادة والتعبئة داخليًا. أي إنهم يحاولون احتساب الخسائر نفسها مرتين ضمن نظامين مختلفين للمعنى. وفي هذا الإطار، يمكن فهم هذا الجمع بوصفه جزءًا من استراتيجية غموض محسوب، تتيح لطهران الاستفادة في آن واحد من الحماية القانونية المرتبطة بالصفة الدبلوماسية، ومن الشرعية الرمزية والقتالية المرتبطة بالانتماء العسكري.

لكن رسالة طهران الضمنية تبدو واضحة: لبنان ينأى بنفسه عن إيران حتى في لحظة تعرّضها لاعتداء داخل حدوده، بما يُبرز قرار طرد السفير وكأنه أقرب إلى تموضع سياسي منه إلى ردّ سيادي متماسك.

كما إن الارتفاع في عدد الضحايا المُبلَّغ عنه، من أربع ضحايا إلى ست، يُعدّ بدوره عنصرًا دالًّا. ففي بيئات النزاع، قد تتغير الأرقام ليس فقط نتيجة ظهور معلومات جديدة، بل أيضاً كجزء من استراتيجية سردية متعمّدة. فزيادة الرقم تُضخم من وقع الحادث في الوعي العام، وتُبقي على اهتمام وسائل الإعلام، وتُعزز موقف إيران في المحافل الدولية.

ختاماً، إن اغتيال "الدبلوماسيين" وطرد السفير يرتبطان، وفقًا للرؤية الإيرانية، في إطار سردي واحد: فالأول ينشئ مظلومية أخلاقية وقانونية، فيما يوفر الثاني سياقًا سياسيًا لتأكيد تلك المظلومية، كما يُقدَّم باعتباره تعبيرًا عن نكران الجميل من جانب لبنان.

لذلك، لا يهدف تكرار ادعاء مقتل "الدبلوماسيين" إلى إضافة معطيات جديدة بقدر ما يسعى إلى إعادة تشكيل الإطار التفسيري للحدثين والتحكّم في سرديتهما، بما ينعكس على مآلاتهما القانونية والسياسية في سياق إقليمي شديد التوتر.

والأخطر أن هذا المسار يجد امتدادًا داخليًا في التموقع السياسي لبعض القوى اللبنانية، وفي مقدّمها رئيس مجلس النواب و "حزب الله"، اللذان يبدوان في حالة اصطفاف مع الموقف الإيراني في مواجهة قرار الحكومة اللبنانية، بما يحوّل الخلاف من مستوى دبلوماسي إلى بنيوي، ويُسهم في تكريس نمط متكرر من تقويض مركزية القرار السيادي وإضعاف فعالية الدولة كمرجعية وحيدة للقرار.