دبل... بلدة الحدود والشهداء وجذور لا تقتلعها الحروب

ليست دبل مجرد بلدة جنوبية، بل هي عنوان للهوية والانتماء والبطولات، وأرض الشهداء والآباء والأجداد التي تحتضن جذور أبنائها وذاكرتهم. تمسّك أبناء دبل ببلدتهم رغم كل الأزمات والحروب التي مرّت بها، حتى عُرفوا بتضحياتهم وشجاعتهم، سواء في الحروب السابقة أو خلال حربي 2023 و2026، حيث دفعوا أثمانًا باهظة في سبيل بقائهم وصمودهم.

تقع دبل في قضاء بنت جبيل. يبلغ عدد سكانها نحو 6500 نسمة، وجميع أبنائها من الطائفة المارونية، إضافة إلى عائلتين من الروم الكاثوليك، إلى جانب عدد من العائلات التي نزحت إليها بسبب الحرب من بلدة القوزح. 

يعيش في البلدة بصورة دائمة، أكثر من 2200 نسمة، فيما يرتفع العدد خلال فصل الصيف إلى نحو 3000 نسمة مع عودة عدد من أبناء البلدة المقيمين خارجها.

يشكّل المغتربون نحو 20 في المئة من أبنائها، وهم منتشرون في مختلف دول العالم، ولا سيما في الولايات المتحدة وأستراليا وفرنسا. وقد حافظ أبناء الاغتراب على ارتباطهم ببلدتهم، وواصلوا دعم البلدية وأبناء البلدة، خصوصًا خلال الحرب.

خرّجت دبل عددًا كبيرًا من الأطباء والمهندسين والمحامين ورجال الأعمال، إلا أن نسبة كبيرة من هذه الكفاءات تقيم اليوم في دول الاغتراب، ما يعكس حجم الطاقات البشرية التي خرجت من البلدة وانتشرت في الخارج.

تضم دبل كنيستين تحملان اسم القديس جاورجيوس، هما الكنيسة الأثرية والكنيسة الجديدة. وتعود أصول الكنيسة القديمة إلى نحو عام 1890، وقد صنّفتها مديرية الآثار من بين أقدم الكنائس في المنطقة، قبل أن تُدرج رسميًا عام 1996 على لائحة الأبنية التراثية والمواقع الأثرية في لبنان. وتحيي البلدة عيد مار جرجس، شفيع دبل، إلى جانب الاحتفالات بمناسبة عيد الصليب، وهما مناسبتان تشكلان جزءًا أساسيًا من الحياة الاجتماعية والروحية في البلدة.

يوجد في دبل مدرستان: مدرسة ابتدائية خاصة تابعة للراهبات الأنطونيات، تضم نحو 100 تلميذ، ومدرسة رسمية ابتدائية تضم نحو 60 تلميذًا، إضافة إلى 180 طالبًا في مدارس عين إبل ورميش. ويُذكر أن أعداد التلاميذ في السنوات التي سبقت الحرب كانت أعلى بكثير من هذه الأرقام. وعلى مدى السنوات الماضية، شهدت دبل مجموعة من الاحتفالات والأنشطة الثقافية والرياضية والمهرجانات التي كانت تنظمها البلدية بالتعاون مع الكشاف وطلائع العذراء.

تضم دبل عددًا من المعالم الأثرية، أبرزها مغارة حازور وخربة أمية. وتتداول رواية محلية مفادها أن السيد المسيح، خلال توجهه إلى قانا وصور، كان يمر في دبل ويستريح في منطقة حازور، باعتبار أن المجرى المائي الذي يربط فلسطين بصور كان يشكل الطريق الأقرب بين الجهتين.

يُعدّ التبغ من أبرز المحاصيل الزراعية، إلى جانب زراعة الزيتون. ويعمل نحو 80% من أبناء البلدة في القطاع الزراعي، فيما يشكل التبغ مصدر الدخل الرئيسي لعدد كبير من العائلات. وتتنوع مصادر الدخل الأخرى بين أصحاب المهن الحرة، والمعلمين، والعاملين في القوى الأمنية، بما يشكل جزءًا أساسيًا من الدورة الاقتصادية لأهالي دبل.

لكن الأوضاع الأمنية حالت دون وصول الأهالي إلى نحو 70 إلى 80% من أراضيهم الزراعية، ما انعكس سلبًا على معيشتهم ووضعهم الاقتصادي. وخلال هذه السنة، لم يتمكن الأهالي من زراعة التبغ أو قطاف الزيتون، ما حرمهم من مصدر دخل أساسي.

تعيش دبل، كسائر البلدات الجنوبية، أزمة اقتصادية حادة نتيجة تراجع الجباية وعدم قدرة الأهالي على دفع الرسوم بسبب الحرب، إضافة إلى عدم انتظام الدولة في دفع مستحقات البلديات.

وفي ظل هذه الظروف، تعتمد البلدية، كما قال رئيسها عقل نداف لـ "نداء الوطن"، بشكل أساسي على عائدات الصندوق البلدي المستقل لتأمين الخدمات الأساسية للأهالي، وفي مقدمها تأمين المياه وجمع النفايات وغيرها من الخدمات الضرورية. ورغم الأزمة، لدى بلدية دبل عدد من المشاريع، أبرزها تصليح وتعبيد وتوسيع الطرق، وتأمين الطرق الزراعية. كما تواصل البلدية تأمين الخدمات الأساسية، من جمع النفايات والحفاظ على البيئة والتنظيم، إضافة إلى إدارة ملف المياه في البلدة، وهو الدور الذي كان منوطًا بالدولة ومؤسسة مياه لبنان الجنوبي، إلا أن البلدية كانت تتولى هذه المهمة منذ ما قبل الحرب.

ومن هنا، طالب رئيس البلدية وزارتي المال والداخلية بالإسراع في دفع المستحقات المالية للبلديات وعدم تأخيرها، بما يمكّنها من القيام بواجباتها تجاه الأهالي والاستمرار في تأمين الخدمات الأساسية.

ومنذ اندلاع الحرب في عام 2026، يقول رئيس البلدية إن دبل تعيش حالة من العزلة، بعدما نزح عدد كبير من أبناء البلدة من الأطراف إلى داخلها بسبب الوضع الأمني. وأصبح الدخول إلى البلدة والخروج منها يتم عبر قوافل تؤمّنها البلدية، استنادًا إلى لوائح تُعدّها بأسماء الراغبين في الدخول والخروج، وتُسلّم إلى الجيش اللبناني، الذي يرفعها بدوره إلى الميكانيزم للحصول على الموافقة اللازمة لمواكبة القوافل من جانب اليونيفيل.

إلا أن هذه القوافل تواجه العديد من العقبات والصعوبات، ما يؤدي أحيانًا إلى تأخيرها أو حتى إلغائها، الأمر الذي يزيد من عزلة البلدة ويصعّب حركة الأهالي والوصول إلى أراضيهم وأعمالهم.